“منتدى بيروت الاقتصادي” وعودة الروح
إلى فندق فينيسيا
مظهران من مظاهر التعافي الموعود…

اتّحاد المصارف العربيّة أصر
على المؤتمر في العاصمة اللبنانيّة
ليؤكّد أنّها تنبض بالحياة دائمًا وأبدًا…

أمين عام الاتحاد وسام فتوح يلقي كلمته امام حشد من الحضور

كتبت رباح حيدر

    قد يكون “منتدى بيروت الاقتصادي” الذي افتُتح اليوم الخميس 24 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2022، أوّل مظهر من مظاهر التعافي الذي سعت وتسعى إليه الحكومة الحالية قبل استقالتها وبعد هذه الاستقالة لتصريف الأعمال بانتظار انتخاب رئيس للجمهوريّة وتشكيل حكومة جديدة، من أولويّات برنامجها الوزاري، إقرار الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي، إيذانًا بنَيْل مساعدات ماليّة لعلّها تعيد الحركة إلى الاقتصاد وتستعيد الليرة اللبنانيّة ولو جزءًا ضئيلاً من وهجها السابق. ولعلّ من حسن الصدف أنّ يتزامن انعقاد هذا المنتدى مع “عودة الرّوح” إلى فندق فينيسيا الذي كانت أبوابه مقفلة منذ أكثر من سنة بسبب جائحة كورونا وتوقّف الحركة الاقتصاديّة لا في لبنان فحسب، وإنّما في مختلف دول العالم. وأبرز الدلالات على توقّف هذه الحركة، تراجع حركة السفر إلى حدّ غير مسبوق، وفي الوقت نفسه تراجع الخدمات السياحيّة والمعيشيّة في لبنان بسبب الوضع الذي تأزّم ولا يزال، سياسيًا واقتصاديًا، والذي انعكس شللاً في عدد كبير من القطاعات الإنتاجيّة.

    من هنا بدا انعقاد هذا المنتدى بمثابة بُشرى أمل، خصوصًا أنّ المواضيع التي تمّ وسيتمّ التطرّق إليها هي مصرفيّة اقتصاديّة استثماريّة بالدرجة الأولى، ما يجعل من هذا اللقاء قَبَسًا من نور يضيء ولو ضئيلاً، نفق لبنان المظلم ةيسترجع مكانة خسرها عربيًا ودوليًا ليدبّ النشاط فيه ويشهد مثل هذه المنتديات والمؤتمرات التي ما كانت تغيب عنه ولا عن فندق فينيسيا، هذا الرمز السياحي الكبير الذي يشكّل دعامة قوية لازدهار هذا القطاع.

رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي متحدّثًا 

   رعى هذا المنتدى وتصدّر الحضور، رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الذي كانت له فيه كلمة شاملة عن الوضع اللبناني الحالي وتوق الجميع إلى الخروج إلى ساحة التعافي، خصوصًا أن عنوان هذا المنتدى وهو حول “التجارب العربية في الإصلاح الاقتصادي وصولا الى اتفاق مع صندوق النقد الدولي”، يصبّ في الهدف الذي يسعى إليه لبنان لعلّ وعسى.

    وبديهي أن يجمع المنتدى شخصيّات رسميّة لبنانيّة وعربيّة وأجنبيّة، إضافة إلى شخصيّات مصرفيّة معنيّة منهم: رئيس الإتحاد الدولي للمصرفيين العرب د. جوزف طربيه، رئيس لجنة الإستثمار في إتحاد المصارف العربية الشيخ محمد الجراح الصباح، أمين عام اتحاد المصارف العربية  د. وسام  فتوح، رئيس الهيئات الاقتصادية في لبنان محمد شقير، رئيس جمعية المصارف سليم صفير، رئيس مصرف الإسكان أنطوان حبيب، اضافة الى  أعضاء مجلس إدارة إتحاد المصارف العربية.

وكلمة جوزف طربيه

بداية، كانت كلمة لأمين عام اتحاد المصارف وسام فتوح الذي اقتبس من كلمة أمير الكويت في  إفتتاح مونديال 2022: “ما أجمل أن يضع الناس ما يفرّقهم جانباً لصالح ما يجمعهم، فأهلاً وسهلاً بالعالم في دوحة الجميع”، ليتوجّه إلى الحضور قائلاً: “ما أجمل أن يضع اللبنانيون ما يفرِّقهم جانباً لصالح ما يجمعهم، فأهلاً وسهلاً بكم في مؤتمر إتحاد المصارف العربية في بيروت”، ليستتبع هذه الاستعارة بما هو أجمل: “لقد أصرّ اتحاد المصارف العربية على عقد هذا المؤتمر، في مكانه وزمانه، لنؤكد بأن بيروت لا تزال مدينة محبّبة لدى الإخوة العرب، وانها نابضة بالحياة دائماً وابداً. وإذا عانت من كبوة، فإنها تنهض من جديد، بأفضل مما كانت عليه. هذا ما أثبته لنا التاريخ، وهذا ما نؤكده اليوم”. تابع: “نهدِفُ من هذا اللقاء الكبير، إلى حشد الدعم والطاقات والخِبرات العربية واللبنانية، لمناقشة أهم هاجس يقلِقُ بال اللبنانيين وبعض الدول العربية، ألا وهو الخطط الإصلاحية، الاقتصادية والمالية والمصرفية، والبدائل المتوافرة، ومسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وما هو مطلوب من صانعي القرار في لبنان في هذا الخصوص. ذلك ان تعافي الاقتصاد ممكن والحلول للخروج من نفق الازمة الاقتصادية والمالية متوافرة وممكنة، وسوف نعرض عليكم في سياق أعمال المؤتمر رؤية اتحاد المصارف العربية على أسس علمية وعملية ومنطقية، لكيفية الخروج من هذا المأزق والحفاظ على أموال المودعين، فلا نهوض للبنان وإقتصاده من دون قطاعه المصرفي”.

محمد شقير يدلي بكلمته

  بعد ذلك توالت الكلمات، فألقى رئيس بنك الكويت الدولي، رئيس لجنة الإستثمار في إتحاد المصارف العربية الشيخ محمد الجراح الصبّاح كلمة أهمّ ما ورد فيها: “نحن في الكويت، لم نترك مناسبة يحتاج فيها لبنان الحبيب، إلى الدعم والمؤازرة، إلا وكنا من أوائل الداعمين، وخصوصاً اليوم، فإنّ حضور الكويت يهدف إلى دعم مسار التعافي والإصلاح الاقتصادي، والمساهمة في دفع مسيرة الاستقرار والنمو. وإننا من هذا المنطلق، سنعمل بكل طاقاتنا، كلجنة إستثمار في إتحاد المصارف العربية إلى تشجيع وتحفيز عودة الإستثمارات إلى لبنان، الذي يزخر بالإمكانات والمشاريع المنتجة التي تُخرج لبنان من النفق، وتعيده إلى خارطة الدول المزدهرة، وتجدّد الثقة بإقتصاده وبقطاعه المصرفي”. تابع: “إنّ لدى لبنان وشعبه مكانة الصديق، والأخ لدى دولة الكويت وشعبها. لذا نتمنى أن يفتح هذا المؤتمر باباً واسعاً، لإستعادة هذا البلد الحبيب لبنان، ثقة المجتمع العربي، والإطمئنان على مساراته السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وأن يحافظ على المناخ الإستثماري فيه، من خلال الإصلاحات المطلوبة. وبالمناسبة، نتمنى على الحكومة اللبنانية والجهات المعنية، وضع خطة تضمن إستعادة أموال المودعين العرب حفاظاً على الثقة بلبنان وقطاعه المصرفي”. ختم الصبّاح كلمته بالإشادة بفَوْز المنتخب السعودي على الأرجنتين في مباريات كأس العالم، وهو “إنجاز مشرّف للعرب وموضع فخر وإعتزاز، فألف مبروك للمملكة العربية السعودية ولشعبها الطيّب”، على حدّ ما قال، مشيرًا إلى أنّ الاجتماع المقبل للاتّحاد سيكون في 8 و9 آذار (مارس) 2023 مع المؤتمر المصرفي العربي السنوي الذي ستستضيفه المملكة العربية السعوديّة في الرياض، بالتعاون مع البنك المركزي السعودي”.

الشيخ محمد الجراح الصبّاح

بعدها، كانت كلمة الدكتور جوزف طربيه رئيس الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب، ورئيس للجنة التنفيذية لاتحاد المصارف العربية، تناول فيها مساهمة صندوق النقد الدولي خلال السنة المالية 2022 في تخفيف أثار الأزمة الإقتصادية العالمية عن طريق اقراض الإقتصادات المأزومة، إذ تمّت خلالها الموافقة على صرف أكثر من 219 مليار دولار في هيئة قروض إلى 92 بلداً، مثمّنًا الدور الذي يلعبه الصندوق على صعيد الإقتصاد العالمي، والذي يرافقه أعمال تحقق من سلامة إقتصادات البلدان وتقديم المشورة الفنية لها بما يساعد هذه البلدان التي تنفذ برامج إصلاحية مع الصندوق على الولوج إلى مؤسسات التمويل الدولية الأخرى وكذلك إلى أسواق المال”. تابع: “في العالم العربي، تواصل عدة دول عربية مفاوضات مع الصندوق لاعتماد إصلاحات إقتصادية والحصول على قروض ميسرة لاجتياز صعوباتها المالية، وتعبيد الطريق للحصول على تمويلات أخرى من جهات خارجية تربط تحركها بالحصول على ثقة الصندوق. وتأتي في عداد هذه الدول مصر، تونس، الأردن، السودان ولبنان، وهي جميعًا تعاني أزمات إقتصادية عميقة ترافقها احتياجات تمويل ملحة، يجب أن ترافقها إصلاحات نقدية ومالية وضريبية وإعادة هيكلة القطاع العام وضبط الإنفاق ولجم التضخم. وقد جاءت تداعيات جائحة كورونا واندلاع الحرب الروسية الأوكرانية والركود الذي أصاب الإقتصادات العالمية إلى مضاعفة حدة الأزمة في البلدان العربية المذكورة بحيث بدت الحاجة إلى تنفيذ برامج مع صندوق النقد أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ويأتي لبنان اليوم في مقدمة الدول التي تسعى إلى تنفيذ برنامج تمويل من الصندوق ترافقه إصلاحات إقتصادية نأى عنها في السابق”.

عرض فيلم عن بيروت القديمة

وتحدّث عن مسيرة التفاوض لبنانيًا مع صندوق النقد الدولي، فقال: “إنّ هذا التفاوض لم يكن سهلاً، وسيصبح اليوم أصعب مع وقوع لبنان في مرحلة الفراغ الرئاسي والإشتباك الدستوري الحاصل حول استمرار صلاحية المجلس النيابي في التشريع في ظلّ تحوّله إلى هيئة إنتخابية يقتصر نشاطها على انتخاب رئيس للجمهورية ليكتمل عقد السلطات الدستورية. يضاف إلى ذلك دقة المواضيع المطروحة على المجلس النيابي للتشريع بشأنها والتي تتضمن بنوداً لا سابق لها في لبنان كشطب الودائع وتصفير الرساميل للمصارف، ووضع قيود على حركة الرساميل ، وإجراء مراجعة على النظام الضريبي”. أضاف: “لم يكن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي الخيار المرغوب في لبنان في أي يوم، لعدة إعتبارات تتمحور حول الحذر منه لأسباب متعدّدة  لا مجال لتعدادها الآن، إلى أن حصل الانهيار المالي وتوقف لبنان عن دفع ديونه السيادية الخارجية وخروجه من أسواق المال العالمية وتعذّر عودته إليها دون اتفاق مع صندوق النقد الدولي. كما أنه لا يمكن أن نفنّد هنا الصعوبات التي يواجهها تحرك الصندوق في لبنان ووصفاته التقليدية أو المستحدثة سواء كان منها في إلغاء السرية المصرفية، وطلب إعتماد قانون الكابيتال كونترول وتوحيد وتحرير سعر الصرف  وضبط عجز الموازنة العامة وشطب الودائع وإعادة هيكلة المصارف وتصفير رساميلها. علمًا أنّ جهات عديدة في لبنان تشكّك في الكثير من صوابية بعض المعالجات والطروحات القاسية التي تضمنها خطة الصندوق. لكن بعض الإصلاحات المطلوبة من الصندوق تعتبر بديهية، وكان يفترض حصولها بدون مداخلة من الصندوق كقانون الكابيتال كونترول الواجب حصوله عند بدء اندلاع الأزمة في العام 2020، أو إصلاح نظام الضرائب، أو ترشيد الإنفاق، أو خفض حجم القطاع العام، أو تجنب العجز في الموازنة العامة، أو مكافحة الفساد، أو تحرير سعر الصرف”.

وبعد استعراضه تفاصيل عن مناقشات مجلس النواب للكابيتال كونترول، قال: “بالخلاصة، إن الإتفاق مع صندوق النقد الدولي ممر ضروري للبنان للعودة إلى الشرعية المالية الدولية. ويبدو الأمر سائراً في هذا الإتجاه عفي ضوء مناقشات المجلس النيابي اللبناني الجارية بهذا الخصوص، وما سوف يقرّه من قوانين تحفظ المصالح اللبنانية العليا. إننا في إتحاد المصارف العربية داعمون لهذه المسيرة”.

ثمّ كانت كلمة لرئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير، فكلمة للرئيس نجيب ميقاتي شرح فيها الواقع الاقتصادي اللبناني المرير وفداحة الازمة المالية التي يعيشها الوطن والضغوط الاجتماعية الراسخة، قائلاً: “إننا على قناعة انه لا مخرج للأزمة الاقتصادية النقدية الراهنة التي يعانيها لبنان من دون اقرار الاتفاق النهائي مع صندوق النقد بما يؤمن تدفق مداخيل بالعملات الأجنبية، أكان من خلال صندوق النقد مباشرة أو من خلال الدول المانحة في ما بعد، والتي لن تمد يد المساعدة إذا لم يكن هنالك مراقب دولي للإصلاحات ألا وهو صندوق النقد.  كما أن ابرام الاتفاق سوف يمكن ايضا من وضع البلاد على سكّة النمو الاقتصادي الإيجابي وأن يحد من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها الأسر اللبنانية بشكل عام”. 

وبعد استعراض مطوّل للأزمة اللبنانيّة والحلول الموضوعة للتنفيذ عندما يستقيم الوضع السياسي، ختم قائلاً: “هذه السنة حقّق الاقتصاد اللبناني نموا بنسبة اثنين في المئة، وينتظر ان يكون النمو في العام المقبل ٣ ونصف في المئة وسنة ٢٠٢٤ خمسة في المئة. نحن من الدول والاقتصاديات التي ستنمو سريعا وسنقدم درسًا في كيفية التعافي بعد الازمة الكبيرة التي حصلت”.