وزير وأربعة
اختصاصيّين يعالجون
ملفًّا شائكًا يُبنى عليه التعافي الاقتصادي…
الشمس حلّ إنقاذي للخروج من العتمة
والسير به يحتاج
لمساعدات دوليّة
لا تتوافر الاّ بعد إقرار
الاصلاحات المطلوبة!

وزير الطاقة وليد فياض يتوسّط المتحاورين الأربعة انطوان حبيب، كارول عيّاط، خليل دينغستي وكريستينا ميكولوفا

“الشمس هي الطاقة المتجدّدة التي يجب أن تُعتمد”. هذا ما يُمكن استخلاصه من الندوة الحوارية التي عُقدت عصر أمس الثلثاء (6/9/2022) في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية. والدليل على هذا التوجّه أن عنوان هذه الندوة أوحى بالخلاصة التي ستنتهي اليها: “بحثاً عن الشمس” Chasing the Sun. وما حضور وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض هذه الندوة الا لدعم هذا التوجّه مع أنه في كلمته الأخيرة المقتضبة لم يُركّز الا على تصحيح معدّل تعرفة كهرباء لبنان (عشرة أضعاف تقريباً في أول كيلواط/ساعة)، قائلاً أنه كوزير طاقة وافق على السعر، وأن وزارة المال ستوافق قريباً على هذه التعرفة، كما تبلّغ وبلّغنا، مشيراً في الوقت عينه، (وعلى الوعد يا كمون)، الى أن وزارته تنتظر موافقة البنك الدولي على التمويل، لتتمكّن من استيراد الكهرباء والغاز من مصر والأردن عبر سوريا، فضلاً عن النفط العراقي. ولعلّ المضحك المبكي أن وزير الطاقة، وفي معرض الحديث عن الطاقة الشمسية المتجدّدة، طالب بكيان وهيئة قادرتَيْن على تنظيم القطاع، فيما الهيئة الناظمة للكهرباء لاتزال سجينة العراقيل التي تواجه تشكيلها من قبل القيّمين على الوزارة نفسها، سواء الحاليّين منهم أم السابقين المستثمرين في وضع اليد على هذا المرفق!

    ولذرّ الرماد في العيون، قال معاليه: “العمل جارٍ حالياً لتأسيس هذه الهيئة الناظمة، التي يُحكى عن ولادتها منذ ما قبل 13 عاماً، أي منذ تسلّم وزراء تيار “الإصلاح والتغيير” هذه الوزارة ولا يزالون ممسكين بها، ولمن يسأل عن السبب، نقول: “العلم عند ربّ العالمين”!

    ما يهمّنا في هذا المقال هو المعلومات التي أدلى بها المتحاورون الأربعة السادة: مدير عام الإسكان أنطوان حبيب، مدير عمليات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في لبنان خليل دنغيزلي EBRD، ممثلة بنك الاستثمار الأوروبي EIB في لبنان كريستينا ميكولوفا والمتخصّصة في “تمويل الطاقة” كارول عيّاط التي أدارت هذا الحوار، وصولاً الى الفكرة الأساس: كيف نموّل مشاريع الطاقة المتجدّدة في أوقات الإنهيار: حالة لبنان؟! فماذا في التفاصيل…

البداية كانت مع كارول عيّاط التي ربطت “التعافي الإقتصادي بكهرباء وفيرة ومستدامة”، مشيرة إلى أنّه “بعد 30 سنة من عجز مالي وتقني في مؤسسة كهرباء لبنان وعدم وجود إصلاحات، وبعد 43 مليار دولار تكلفة مباشرة، بالكاد تستطيع المؤسسة توفير ساعة كهرباء للمواطنين، ما يُضطرّهم للّجوء إلى المولدات الخاصة ذات الأسعار المرتفعة مع المطالبة بتسديدها بالدولار النقدي، في حين أن 70 في المئة من اللبنانيين أصبحوا تحت خط الفقر”. أضافت: “في ظل هذه العتمة، ثمة بصيص أمل يشرق على البلد هو الطاقة المتجددة المتمثّلة بالطاقة الشمسية ذات الكلفة المتدنية: فقط 5 إلى 7 سنتات لكل كيلوواط/ساعة، مقارنةً بعشرة أضعاف للمولدات، وما لا يقلّ عن ستة أضعاف لمعامل كهرباء لبنان. ونظراً إلى تلك الأسباب، تمّ تركيب ألواح طاقة شمسيّة موزّعة بما يوازي 450 ميغاواط، منها 350 في السنَتَين الأخيرَتَيْن بكلفة قدرّت بـ 300 مليون دولار استثمرها القطاع الخاص من أمواله، في ظلّ عدم وجود مصادر تمويل.

ألواح للطاقة الشمسية باتت مزروعة في كلّ الدول وفي كلّ الأمكنة…وإلى ازدياد

بعدها تناول الحديث مدير عمليات البنك الأوروبي EIB في لبنان خليل دنغيزلي الذي قال: “لقد استثمر البنك الأوروبي للتمويل في لبنان بأقل من 900 مليون يورو، لكنّه حالياً لم يعد قادراً على الاستمرار في التمويل، مع الأسف، وهذا هو حال كلّ منظمات التمويل الدولية، بانتظار الإصلاحات اللبنانية المطلوبة من المجتمع الدولي، وإطلاق برنامج اقتصادي إنقاذي مع صندوق النقد الدولي كي نعاود تمويل المشاريع في لبنان”. أضاف: “لكن البنك الأوروبي ملتزم تجاه لبنان، بأدوات عدة من خلال دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، إذ نقدّم خدمات استشارية في ما يتعلق بمجال الطاقة لاسيما الطاقة الشمسيّة. كما أننا مهتمون بالطاقة الموسّعة ونحن ندعم هذا الموضوع بالتعاون مع وزارة الطاقة والمياه و المركز اللبناني لحفظ الطاقة LCEC، كذلك نبحث مع كل الجهات المعنية كمؤسسة كهرباء لبنان ووزارتَيْ المال والطاقة. ونحن مسرورون بإقرار مشروع القانون في مجلس الوزراء وننتظر دخوله حيّز التنفيذ، لأنه سيسمح بإطلاق العنان لقدرات الطاقة الشمسيّة وصولاً إلى مشاريع تستطيع إنتاج 10 ميغاواط”.

ثم كانت كلمة رئيس مجلس إدارة مصرف الإسكان أنطوان حبيب الذي أمسك بهذا الملف منذ تعيينه بالمنصب الجديد، والذي تابعه باهتمام حثيث، فقال: “في حزيران (يونيو) 2022 ، كانت لدى مصرف الإسكان الجرأة على إعطاء قروض بالليرة اللبنانية بعد توقّف دام ثلاث سنوات. إن هدف مصرف الإسكان إنساني – اجتماعي، فهو لا يبغي الربح، وبالتالي فالغاية من إعطاء قروض للطاقة الشمسيّة هو لتحسين نوعيّة الحياة عند ذوي الدخل المحدود (Life Quality)، لذلك تجدون أن فائدة القرض هو 5% على المقترض، فيما تبلغ هذه الفائدة 12% على مصرف الإسكان”. وبالمناسبة وجّه حبيب “تحيّة إلى رئيس مجلس إدارة بنك لبنان والمهجر سعد الأزهري الذي باشر بإعطاء قروض للطاقة الشمسيّة والسكَنية بعد مصرف الإسكان بنحو الشهر، ولاحقاً حَذَتْ حَذْوَه نحو 8 مصارف، وجدت على الأرجح أن إعطاء القروض يبقى أفضل من وضع الودائع في البنك المركزي بفائدة متدنيّة”. كذلك، وجّه نداءً إلى “جمعية مصارف لبنان لتشجيع البنوك على منح قروض سكنيّة وأخرى للطاقة الشمسيّة لأن الشعب اللبناني بحاجة إلى الضوء، وهذا ما عبّرنا عنه عندما اعتمدنا شعار: “سنؤمّن الضوء لمنازل اللبنانيين”. أخيراً، وجّه نداءً آخر إلى مجلس النواب قال فيه: “هناك قوانين موجودة في المجلس منذ ثلاث سنوات تتعلق بالطاقة المتجدّدة ولاتزال تتنقل من لجنة نيابية إلى أخرى، ولم تُقَرّ حتى الآن. لذا نتمنى على نوابنا الكرام تغيير الذهنيّة ونَمَط العمل لإقرار قانون الطاقة المتجدّدة”.

شارع عريض يُضاء بالطاقة الشمسية

أخيراً، أعلن حبيب أن “مصرف الإسكان سيُقفل باب الطلبات الجديدة اعتباراً من آخر أيلول (سبتمبر)  الجاري، ليتسنّى له درس آلاف الطلبات المقدَّمة إليه”.

آخر المتحدّثين كانت ممثلة بنك الإستثمار الأوروبي EIB في لبنان كريستينا ميكولوف التي أعلنت أن “البنك الأوروبي للاستثمار مقيّد لكن لا يزال لدينا الأمل في لبنان”. وتحدثت بإسهاب عن “مشروع الطاقة المتجدّدة في عكار الذي شارك في تمويله البنك الأوروبي للاستثمار”، لافتة الى “أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتي بحاجة اليهما لبنان معاً للقيام بدورهما”.

    في المحصلة، فإن هذه الندوة بنَت المدماك الأول في صرح كبير منتظر هو الإعتماد على الطاقة الشمسية كمتمّم للطاقة التقليدية وبديلاً منها اذا اقتضت الحاجة، خصوصاً أن لبنان مع التغيّر المناخي، بات أقرب الى بلد حار منه الى بلد متنوّع المناخ. ويبقى المطلوب أن يشهد لبنان مع الرئيس الجديد العتيد طاقَتَيْن بديلَتَيْن: طاقة رئيس نأمله شاباً دينامياً سريع الحركة والتنفيذ، وطاقة شمسية تُخفّف الأعباء عن اللبناني وتُشعره أنه لا يزال… يعيش!