“كأس العالم” ماضٍ في قطر تحت غطاء تأميني
بأدقّ التفاصيل…
مباريات فنيّة تنافسيّة
ولكنّها تجاريّة بامتياز:
أرباح من بَيْع التذاكر
وحقّ البثّ والشركات الراعية…

ملاعب متعدّدة في قطر وفي أمكنة متقاربة يُمكن انتقال المنافسة إليها في حال حصول طارئ ما ويبدو الكأس والعلم القطري

سنتيا تبشراني

مع انطلاق مباريات كأس العالم في قطر، قبل أيام، بات الحديث الرياضي يطغى على ما عداه، بل يتصدّر واجهة الإهتمامات والأحداث. ومع أن أحداً لا يتوقّف عند أمور لا يراها أساسية مثل التأمين على اللاعبين والملاعب وما يمتّ اليهما بصلة، الا أن موسم البطولات الرياضية بالنسبة لآخرين هو موسم تجاري يُسيل له اللعاب. ولكن كيف؟

تُعتبر الرياضة من العوامل المهمّة التي تساعد الجسم على أداء وظائفه بشكل جيّد تتيح له إسترخاء كاملاً. ولكن للرياضة صفة تجاريّة لا يمكن إغفالها وإن كان اكتشافها لا يعود إلى زمن غابر جدًّا.

البطاقات ربح تجاري يتكامل مع حقّ البثّ التلفزيوني

فخلال العقود الأخيرة، عرفت الرياضة الإحترافية، تحديدًا، إضطرابات عميقة، وأضحت تديرها شركات هدفها الأول، تحقيق الأرباح بطرق تجاريّة مدروسة. وتعني هذه الرؤية تغييراً في إدارة الحدث البطولي وتحويله إلى مكان آخر: إلى الكسب التجاري، وفي كافة المجالات. فإذا كانت تذاكر الدخول المُباعة لمشاهدة الحدث، هي من مصادر التمويل الأولى، فقد أضيف اليها، منذ سنوات، حقوق البث على شاشات التلفزة، علمًا أنّ ما  يُدفع للحصول على حقّ البثّ هو باهظ وقد لا تقوى عليه دول، ولبنان أحد الأمثلة. وإلى بَيْع التذاكر وحقّ البثّ مرئيًا، يجب أن لا ننسى القيّمين على رعاية هذه الأحداث، وضخّ أموال “تقطع الظهر”، كما يُقال في العامية. وبطبيعة الحال، فإن شاشات التلفزة تبقى قطب الرحى. صحيح أنها تدفع الملايين، ولكنها تجني ما هو أكثر من الدعايات.

انفجار في الألعاب الأولمبية في الولايات المتحدة عام 1996 أدّى إلى مقتل شخصَيْن وسقوط 112 جريحًا

والى ما أشرنا اليه آنفاً، فالرياضة محفوفة بأخطار عدة تُعهد أمور تغطيتها الى عدة شركات تأمين عادية من أجل الهواة، وإلى شركات أخرى أكبر حجماً متخصّصة للمحترفين. ومن المعروف أن المجازفات الرياضية نوعان: أضرار يتسبّب بها لاعب لآخر، وثانية يتعرّض هو إليها. ولذلك، فإن العديد من الرياضات يجب أن تكون مغطّاة مع نفقات مفصّلة عديدة في حالة المرض والإصابة.

ثم هناك خطر إحتمال الغاء المباريات أو تأجيلها، وهذا البند في الوثيقة مكلف جداً ولا تَقْدُر على تحمّله الاّ شركات إعادة مع حصة صغيرة تتكفّلها شركات تأمين مباشر.

وبالنّسبة لإدارة المخاطر في الرياضة، فإنّها تتطلب التدخل والإستكشاف وامتزاج آراء اكتواريين، قبل تنظيم الحدث في البلد المستضيف لمعرفة أمكنة هذه المخاطر، وبالتالي تقييم المبالغ التي يجب أن تدفع وتجهيز بنود البوالص الملائمة، وقد طوّر العديد من مكاتب وساطة التأمين نماذج تغطيات لهذا النوع من الأحداث الرياضية منها Marsh وMac Lennan.

هجوم على باص ينقل فريقًا رياضيًا في كأس العالم في انغولا 2010

إلى ذلك، تمثّل الرياضة الإحترافية سوقاً جذاباً لشركات التأمين، مباشر وإعادة ووسطاء، مع الطلب المتزايد والمتنوّع للتغطيات. ففي فرنسا مثلاً، وبعدما ارتفع عدد اللاعبين برياضة الـ Rugby، والبعض منهم أصيب بالشلل، توصّل إتحاد هذه اللعبة القاسية بعد مضاعفة القسط التأميني، إلى الإشتراك بتنظيمات تأمينية جديدة تقدّم تغطية وتعويضات أفضل. ولحسن سير المباريات، هناك أنواع أخرى من التأمين كتلك التي تتعلق بالطقس، اذ أن المناخ السيء في المنطقة التي تجري فيها الأحداث الرياضية، قد يتسبّب بوقف المباراة أو بتعرّض اللاعبين، جرّاء سوء الأحوال الجوية، الى الإصابة بأضرار، أحياناً مميتة.

والجدير بالذكر أن الرياضيين المحترفين يواجهون مخاطر تتطلّب الحصول على تغطية خاصة بهم لوجود أخطار الكثير منها، كالإعاقة وعدم القدرة على العمل، وحصول وفاة…

بالنسبة للرياضيين الهواة، فإن البوالص التي يحصلون عليها تشكّل عادة أرباح الشركات. ففي الولايات المتحدة حيث توجد ثقافة رياضية حقيقية، قدّمت شركة AIG  برنامجاً تأمينياً يتضمّن مختلف المنتجات التي تغطي سلسلة واسعة وكاملة من المخاطر المرتبطة بالممارسات الرياضية للهواة. لكن في ما خصّ الأحداث الرياضية الكبيرة، مثل مباريات كأس العالم في كرة القدم (التي تستضيفها حاليًا قطر)، فإن هناك مروحة من التغطيات لحماية اللاعبين من مخاطر مختلفة قد يتعرّضون لها، وهو ما يتسبّب بخسائر لشركات التأمين، إذا وقعت هذه الخسائر، علماً أن مجموعة نقاباتLloyds  هي التي اقترحت تغطية الأحداث الرياضية وكانت البادئة بها، ومن يومها اكتسبت سمعة قوية جداً في هذا المجال. وهي حتى اليوم لا تزال تستقطب الحجم الأكبر من أعمال التغطيات منذ العام 1990، رغم دخول شركات تأمين أخرى على الخط مثل: AXA وAllianz في أوروبا وشركات إعادة تأمين بينها Munich Re و Swiss Reالعالميتان اللتان تجهّزتا لتغطية تأمينية متكافئة.

الرياضة القاسية في الـ Rugby والننتائج أحيانًا غير مسرّة

كذلك طوّر العديد من وسطاء التأمين خبرتهم في هذا المجال، نذكر من هذه الشركات: Marsh، Guy Carpenter، Aon، Gras Savoye وHenner Sports. ومن أجل خدمة زبائنهم بشكل أفضل، قامت هذه الشركات بالإستعانة بـرياضيين قدامى ضمن فريق مستشاريهم لإستمزاج آرائهم.

ووفق الخبراء، فإنه كلما كان الحدث مهمّاً، بدأت دراسة المخاطر في وقت مُبْكر. ففي خلال الألعاب الأولمبية الشتوية في Vancouver عام 2010، بدأت Marsh تحليلاتها للمخاطر قبل أربع سنوات من حصول الحدث، فوجدت بين 500 الى700 نوع من المخاطر: من الفيضانات إلى الإرهاب، الى الأوبئة، علماً إن المخاطر التي يتمّ تغطيتها هي:

1- خطر التشويش في البث، اذ إن التغطية التأمينية للملاعب تشمل أيضاً المشاكل التقنية التي قد تطرأ كالأعطال وقطع البث.

2-  طبيعة الحدث. فإذا أخذنا كمثال الكأس العالمي لكرة القدم أو بطولة كمال الأجسام، فإن التأمين ينظر الى الحدث من زاوية احتساب المخاطر ضمن المدة الزمنية، طويلة كانت أو صغيرة، التي تجري فيها المباريات..

3- المواقع التي يجري فيها الحدث. إن إلغاء سباق مهمّ كالفورمولا 1، يعني تكبّد شركات التأمين التي تولّت التغطية خسائر كبيرة…

4- البنى التحتية الرياضية، وهذه تعني ضرورة توفير بدائل للأماكن التي تتم فيها المباراة أو مواقع التصوير، كي يتمكّن اللاعبون من إكمال المنافسة، في حال حصول حريق أو فيضان أو أية كارثة أخرى.

5- شبكة النقل. لإقامة مباراة من دون أية شوائب، توضع في الخدمة شبكة نقل حديثة ومتطوّرة لنقل جميع المهتمين واللاعبين إلى الأماكن المخصّصة لهم.

6– تجربة المنظمين. تُعدّ تجربة المنظّمين من أولويات تقييم المخاطر. فالأحداث المهمة كالألعاب الأولمبية، تتطلب اقامة تجارب قبل انطلاق صافرة المباراة من قبل أصحاب كفاءة عالية جداً.

7- برمجة الألعاب. يُمكن أن يكون هناك تأجيل لبعض المباريات، ما يتطلّب تحديد أهمية البرمجة المسبقة.

8- الأمان في المواقع الرياضية والمتمثّل بقوات الشرطة في مواقع الحدث وسمعة الشرطة المحلية، ووجود شركات أمن خاصة، والمراقبة من خلال الكاميرات، والمساحات الممنوعة لحماية أمن الأبطال والتجربة الأمنية للمنظّمين.

9- الحالة السياسية في البلاد التي تستقبل الحدث الرياضي. يجب أن يكون هناك إستقرار سياسي في البلاد التي تجري فيها المباريات.

لبنان لم يستطع تامين مبلغ البثّ، فهرع الناس إلى المقاهي لمشاهدة المباراة

10- خطر المقاطعة. عندما قاطعت الولايات المتحدة و50 بلداً آخر الألعاب الأولمبية في موسكو، خسرت قنوات التلفزة أموالاً طائلة.

11- من أجل تقييم خطر الإرهاب، تأخذ شركات التأمين بعين الإعتبار الخطر السياسي المتمثّل بالبلد المنظّم وقدرة الشرطة وقوى الأمن فيه على إعادة الأمن.

12- خطر الحرب. في الألعاب الأولمبية في ميونيخ بألمانيا عام 1972: سقط 17 قتيلاً واعتُقل رهائن عدّة. وفي الألعاب الأولمبية في الولايات المتحدة عام 1996، حصل إنفجار قنبلة أدّى الى وقوع قتيلين و112 جريحاً. وخلال تحضير الألعاب الأولمبية في العراق عام 2006، سقط قتيلاً وسُجّل 15 مفقوداً. وفي ماراتون سيريلنكا عام 2008، مات في عملية تفجير إنتحارية 13 شخصاً وأصيب مئة جريح. وخلال إطلاق الرصاص في مباراة كريكيت في باكستان عام 2009، قُتل ثمانية أشخاص وجُرح ستة. وفي كأس العالم في أنغولا في إفريقيا (2010)، حصل هجوم على باص ينقل فريقًا رياضيًا، فقُتل ثلاثة أشخاص وجُرح اثنان.

13- الكوارث الطبيعية. يتمّ التدقيق في هذا الموضوع بتأنٍ، فإذا كان الحدث في مكان واحد، فإنه يُلغى إذا حصلت كارثة طبيعية قبل بدء المباريات.

14- الخطر المناخي. من النادر جداً أن يؤثر المناخ على الأحداث الرياضية.

وفيما يخصّ إحتساب التكاليف الـتأمينية، فإنّ كلّ هذه المخاطر التي ذكرنا سابقاً، تؤكّد أن كلّ حدث يُغطّى بموجب عقد يُحدّد القيمة.

المناخ السيء يؤثّر حتمًا على الحدث الرياضي

أما التغطيات الرئيسة للأحداث الرياضية فهي: المسؤولية المدنية، تأمين الأشخاص، إلغاء أو توقف مباراة، الأضرار في الممتلكات، حالات مناخية غير مناسبة، حادث فردي وفقدان العمل، تعويض عن خسارة الجائزة، تأمين الخصم، تأمين إلغاء الإعلان، تغطية الوفاة جراء حادث، وأخيراً بوليصة لحماية السمعة.

بطولة كرة القدم في قطر لم تشهد، حتى الآن، ما يُعكّر صفو هذه المباراة التي تحضّرت لها الدولة المضيفة منذ عدّة سنوات. نأمل طبعاً أن ينتهي كأس العالم بعد شهر بسلام وأمان، كما نأمل عودة سليمة للفرق المتنافسة. ويكفي القارئ أن يطلع على هذا المقال، حتى يتعّرف الى التغطيات ودَوْر شركات التأمين والإعادة والوساطة في انجاح رياضة تحتاج إنشاءات ضخمة ومُكلفة ومتابعة حثيثة، فضلاً عن تحضيرات غير مسبوقة…