الوصفات الصحية الشعبية للجدّة هل هي سليمة وتلامس الحقيقة؟ أخطرها وضع الزبد على الجروح وأصدقها: الثوم والبصل كعلاجَيْن للقلب والحماية من الجراثيم…

أعشاب اشتهرت عبر التاريخ كأدوية علاجية

الوصفات “الطبية” المخبأة في خزانة الجدة، أكثر من أن تُحصى أو تُعد. أحياناً نضحك منها ونهزأ، وفي مرات كثيرة نهرع اليها عندما نجد المرض قد استفحل ولم يعد الدواء ينفع معه! ترى هل وصفات الجدة كلّها يجب أن نرمي بها من النافذة أم أن بعضها يلامس أحياناً جانباً من الحقيقة الطبية؟ خصوصاً في وقت بات من الصعب العثور على الدواء، كما الحال في لبنان، وإذا وُجد، كانت هناك صعوبة مادية لشرائه. عدا أن رائحة “الأدوية المزوّرة” فاحت ولا تزال وآخر “الروائح” عقار Mediator المساعد في علاج مرض السكري…

    لا نُغالي اذا قلنا أن ذكريات المرض تقترن في أذهان معظم الناس بصورة يد الأم الحانية وهي تتلمّس جبين الطفل المريض الذي تلهبه حرارة الحمّى. وخلف الوالدين القلقين أمام فراش الطفل، يقف الجد والجدة ومعهما طبق الحساء الدافئ، ومع هذا الجمع المنفعل يرتفع صوت ينصح باللجوء الى زيت الخروع، ارتداء الملابس الدافئة..

    واذا اقتضت الحكمة مراجعة الطبيب، فإن إعطاء المريض الأدوية والعلاجات التي يصفها له، يكون من مسؤوليات الوالدين عادة، مشفوعة بما يتيسر من العلاجات الشعبية أو الوصفات المخبوءة في خزانة الجدة.

    ومَن منا يستطيع أن ينكر أن المحبة التي يقدّمها الوالدان والجدان في هذه الحالات لا تقلّ أثراً عن ادوية الطبيب في تقريب فرصة الشفاء؟ فما هو، في هذه الحال، التأثير الفعلي للأدوية الأسروية التي تصفها الجدّة بشكل خاص وتصرّ على تناولها؟

    أولاً: “تفاحة في اليوم تكفي لإبعاد الطبيب”! فهل يَصدُق هذا القول؟ طبعاً التفاح ثمرة مفيدة، ولا ريب، ولكن ما مدى تأثيرها الطبي الذي يُمكن أن يُغني عن الطبيب؟

    قد لا يكون مبعث دهشة أحد من الناس اذا قيل له أن تناول تفاحة في اليوم هو أمر عظيم الأهمية فعلاً. ذلك أن التفاح مغذٍ، وهو عظيم الإحتواء على الألياف الغذائية التي تستطيع الإسهام في تنظيم حركة الإمعاء وتساعد في الهضم وتمنع الإمساك. ثم ان أكل التفاح ينظّف الأسنان ويحافظ على سلامتها. والى ذلك، فالتفاح زاخر بالفيتامينات والمعادن المهمّة وقد وصفه الدكتور ايلسون هاس في كتاب صدر في الولايات المتحدة، بـ “المستودع المصغّر” للعديد من أنواع الفيتامين. اذ أن التفاحة تحتوي على قدر يسير من كل شيء.

لا تسبح بعد تناول الطعام

    ومن الأمثلة “الصحية” الشعبية الرائجة: “أطعم الرشح وأجمع الحمى”! فهل ترون هذا المثل نصيحة واقعية؟  

تَذكُر التجارب أن الحمّى عندما تخامر الإنسان (وهي آلية دفاعية طبيعية تحول دون نماء وتكاثر بعض عضويات المرض)، فإن حرق جسمه للطاقة يتسارع. فمن الناحية النظرية يصبح المريض بالحمى في حاجة الى المزيد من السعرات الحرورية (الكالوري). المريض بالرشح يصعب عليه تناول الطعام، لأن حاسة التذوّق لديه، وهي المرتبطة بمقدرته على شمّ الطعام الذي يتناوله، تكون مصابة بالضعف والإختلال. أضف الى ذلك أن الشخص المحموم، قد يكون، الى جانب الحمى، مصاباً باضطراب المعدة أيضاً.

    لذا فقد يكون من الأهم التركيز على ضرورة الإستزادة من السوائل وشرب ما يكفي منها للحيلولة دون التجفاف. كذلك فإن السوائل تساعد على استبقاء رطوبة أغشية الأنف، مما يسهل على المصاب عملية التمخّط.

    مثل آخر: الفيتامين C  يمنع ويشفي من الرشح؟ لقد عرف عن بعض الناس تعاطيهم جرعات ضخمة من فيتامين C ، محاولة منهم لمنع الرشح. الا أن بعض دوائر المعرفة الطبية تقول: أن لا وجود لدليل مقنع يؤيّد هذا القول، بل أكثر من ذلك: ففي دراسة أجريت في كلية الطب بجامعة ويسكونسين، خلصت الى أن فيتامين C  غير قادر على منع الرشح، كما لا يستطيع تخفيف الأعراض وفترات المرض. وأقصى ما يُمكن قوله على وجه اليقين بشأن هذا الموضوع المثير للجدل أحياناً، ان الأبحاث بشأنه مستمرة، وهناك من ينصح بتناول Vitamine C Complex، وليس الفيتامين C المباع في الصيدليات والرخيص الثمن.

    واذا أردنا مناقشة الأمر بشكل مبسّط لقلنا: ان الإنسان لا يُصاب بالرشح بسبب البرد الصرف. فالرشح ينشأ عن أيّ من الأنواع البالغ تعدادها أكثر من مائتي فئة من الفيروسات التي تنقل عدوى الرشح من شخص الى آخر عن طريق العطاس والسعال والمصافحة، كما جاء في “كتاب صحة الأسرة” الذي نشرته “مايو كلينيك”. وقد جاء فيه أن الخرافات والحكم الشعبية كثيرة حول موضوع العدوى بالرشح. فقد يقال، مثلاً، إنه اذا ابتل الإنسان السائر تحت المطر، أو الخارج المبتل الشعر، فانه يصاب بالرشح حتماً، أو إذا تعرّض لهبوب الريح البارد. كما أن الإرهاق وقلة النوم، كثيراً ما ذُكر أنهما من الأسباب المؤكدة للرشح، الا أن أيّاً من هذه الأقوال لم تُثبت صحته في الدراسات السريرية.

هل تُغني التفاحة عن زيارة الطبيب؟

    وماذا عن الجزر المفيد للعينين؟

يحتوي الجزر، علمياً، مقداراً معيناً من الكاروتين ذي الإرتباط بالفيتامين أ، وليس هناك من شكّ في أن هذا الفيتامين هام لسلامة النظر، ونقصه يُسبّب مصاعب ابصارية ليلية. مع الإشارة الى أن الجزرة المتوسطة الحجم تمدّ الإنسان بثلاثين حريْرة، وهي تشمل على أكثر من حاجته اليومية من هذا الفيتامين.

    ومن الأمثلة الرائجة: دهن الحروق بالزبد، فماذا عن هذه الوصفة الرائجة جداً؟

ان دهن الحروق بالزبد أمر ضار، لأن هذه المادة تمنع الجسم من تبريد نفسه، كما أنها قد تزيد من تهييج الجلد، مما يُصعّب المعالجة الطبية. ولهذه الأسباب نفسها تحظر معالجة الحروق باللعاب أو الزيوت أو المواد الشحمية أو المزلّقة. كما أنه لا وجود لدليل يثبت صحة ما يعتقده بعضهم من أن دهن الحروق بالزبد يساعد على منع الندوب التي يسببها الحرق. وللحروق الطفيفة، من الأفضل وضع الثلج أو الماء المثلوج على المنطقة المصابة. فالبرودة تخفّض حرارة الجلد ويمكنها المساعدة على تقليل شدة الحرق.

    وعلى العموم، فإنه يُفضل استشارة شخص اختصاصي في أمور الإسعاف الأولي والتطبيب، بالنظر الى أن طرق معالجة الحروق تختلف بين حالة وأخرى تبعاً لشدتها. واذا خطرت ببالك أية أسئلة تتعلق بالحروق، فلا تتردد في استشارة الطبيب.

    ومن الأمثلة الرائجة أيضاً (حتى عند الأطباء): “أمضغ جيداً قبل البلع”. علمياً يجب أن تتراوح  عدد مرات مضغ الطعام قبل بلعه بين 50 و 100 مرة، ولكن هذا الرقم الخيالي قد يختلف بين شخص وآخر. غير أن الفكرة القائمة وراء هذه النصيحة تظلّ واحدة لا خلاف فيها: ان حصول الشخص على المغذيات الكامنة في طعامه يزداد اذا أحسن مضغ طعامه وتقطيعه جيداً قبل ابتلاعه. هذه مجرد فكرة متداولة، فهل هي صحيحة؟ والجواب: ليس الأمر كذلك!

مناورة هيملخ

    ان عملية الهضم تبدأ في الفم مع شروع الإنسان والأنظميات واللعاب في تقطيع الطعام وتفكيكه، ولكن يبدو أن الجانب الأكبر من عملية هضم الطعام يجري في المعدة والإمعاء. ومع ذلك، فإنه من الأفضل مضغ الطعام جيداً، لأن ذلك قد يمنع الغصّة. وإذا حصَلَتْ كيف نُعالجها؟

    معالجة الغصة: إذا غصّ شخص بطعامه. فإن من النصائح التي كثيراً ما توجه الى من يؤاكله، أن يقوم برفع يديه الى فوق ولطم ظهره بجمع الكف.

    ان رفع الغاصّ يديه قد يلفت اليه أنظار الجالسين حوله ويُشعرهم بغصته. ولكن الفائدة من ذلك تتوقّف عند حدّ لفت الأنظار. اذ أنه ليس من المحتمل أن يكون لرفع اليدين أي تأثير على اللقمة العالقة في الحلق. كذلك، في ما يتعلق بضرب الغاصّ على ظهره. فإن هذا العمل هو أمر مؤذ. لأن اللقمة العالقة لن تهبط الى المريء عن طريق ضرب الظهر، بل أنها تزداد توغلاً في الحلق مما يزيد المشكلة سوءاً.

    إذا أصيب أحدهم بغصة أثناء تناوله الطعام، فإن ردّ الفعل الأنسب من ذلك هو أن تمارس “مناورة هيمليخ” وهي إجراء يجب على كل شخص أن يدرب نفسه على أدائه في مثل هذه المواقف. يجمع المنقذ قبضته بقوة، ويُحيط المصاب من الخلف بكلتا ذراعيْه المتشابكَتَيْن. وتدفع القبضة السفلية من جهة الإبهام المطوي، دفعاً قوياً في أعلى البطن مع اتجاه الدفع الى أعلى عدة مرات الى أن تتحرك اللقمة العالقة. فهذه المناورة تقوم في أغلب الأحيان بزحزحة الجسم العالق بالحلق.

    وهناك خرافة أخرى لا تقل خطراً عن الغصة ويجب عدم اللجوء اليها. تقول: ينصح الغاص بتناول قطعة صغيرة من الخبز الطري! أن هذه الطريقة تزيد الأمر سوءاً وتضاعف المشكلة. اياك وإعطاء الشخص المصاب بغصة أي شيء لإبتلاعه قبل أن تزول المادة العالقة بالحلق.

البصل والثوم وصحة القلب

    وماذا عن الثوم البصل وتأثيرهما على القلب؟ ان أكل الثوم تاريخاً طويلاً مدعوماً بقصص من آلاف السنين تؤكد مزاياه الصحية في أحوال كثيرة: الحفاظ على صحة القلب، حماية الجسم من الجراثيم، تسهيل الهضم، طرد الحشرات، معالجة الجروح بل ومنع السرطان. ويدعّي بعضهم أن آكل الثوم يُخفف البواسير ومشاكل الدورة الدموية. كما عُزيت الى البصل فوائد مماثلة.

    “مجلة الطب الداخلي” الأميركية نشرت مقالاً ورد فيه أن زيت الثوم والبصل يمنع تشكل الخثرات الدموية عن طريق حيلولته دون تكون الصفيحات وتراكمها (مسببة هذه الخثرات).

    يوضح هذا المقال أن الكمية المطلوبة يومياً من زيت الثوم لمنع التخثّر (كما يحصل عند الإصابة بنوبة قلبية)، تبلغ في المعدل 25 ميليغراماً. وجاء فيه أيضاً، انه اذا كانت الخثرات قد تشكلت فإن زيت الثوم والبصل يعمل على حلّها وإزالتها.

    وتقول الدراسة التي بني هذا المقال على أساسها، أن الثوم والبصل يمكن أن يخفضا مستوى الكوليسترول بالدم أيضاً. وتضيف قائلة: ان الأشخاص الذين يتناولون ما زنته 60 غراماً من الثوم النيئ، يصبح بإمكانهم أن يأكلوا بسلام مقداراً من الزبد يؤدي في الأحوال العادية (بلا ثوم) الى رفع مستوى الكوليسترول. كذلك فإن الثوم والبصل يزيدان من مقدار النوع الصحي المفيد من الكوليسترول (HDL).

    ولا تعني هذه الأقوال أن الإنسان يستطيع أن يعالج نفسه من الجلطات بتناول الثوم والبصل وحسب، فالدراسات في هذا الميدان ما تزال قائمة، ولا بد من استشارة الطبيب قبل الإقدام على هذا العمل، لأن هذه المواد اذا تنوولت بدون تبصر فانها قد تُحدث نزفاً دماغياً وأنواعاً أخرى من النزف.

    لا تسبح بعد الأكل مباشرة، فهل هذه المقولة صحيحة؟

بعد تناول الإنسان طعامه، فإن عضلات المعدة تصبح في حاجة ماسة الى مقادير كافية من الدم الحامل للأكسيجين، لكي تستطيع أداء واجباتها الهاضمة على الوجه الأكمل. ولكن اذا مارس الإنسان رياضة شاقة بعد تناول الطعام، مثل السباحة، فإن القلب قد يعجز عندها من تزويد عضلات المعدة والعضلات الهيكلية في آن واحد. وعندها يتحول الدم من المعدة الى الذراعَيْن والساقَيْن على حساب عضلات المعدة التي يسبّب نقص الدم فيها، للإصابة بالمغص.

    وهل صحيح أن السكر يُعالج الفواق؟

يحدث الفواق (الزغطة أو الحازوقة) بسبب عدم انتظام تقبضات الحجاب الحاجز، ولقد اقترحت، عبر التاريخ، طرق عدة لمعالجة هذه الحالة أو منعها: حبْس الأنفاس، تناول ملء ملعقة من السكر، تجفيل المصاب بالفواق وإخافته الخ…

من طُرق مكافحة الفواق

    لوقف الفواق لا بدّ من ايقاف تشنجات الحجاب الحاجز. وإحدى الطرق لذلك هي اخذ نفس عميق يُمكن أن يتدخل في تشنجات مزمار الحلق والحجاب الحاجز. وصرف انتباه الشخص بشكل من الأشكال (الشرب من الجهة “الأخرى” للكوب، أو التفكير العميق بشيء ما)، مما يحمله على وقف أنفاسه هنيهة.

    هذا الوقف يمنع التشنّجات ونفس النتيجة تحصل عندما يُقال للشخص المصاب أمر مفاجئ غير متوقع أو مثير لإنتباهه أو إخافته بغتة بصوت مزعج أو حركة سريعة.

    من الوصفات الأخرى التي يقال إنها مجربة إعطاء المصاب بالفواق ملء نصف ملعقة صغيرة من السكر. والحكمة من ذلك على ذمة من يعتقد ذلك، هي أن حبيبات السكر تسبّب تهيج الحلق، مما يعرقل وصول الدفقات من العصب الحجابي الذي ينشط الحجاب الحاجز.

    الوصفات كما رأينا لم ولن تنضب. ولكن إذا استمر الفواق أو ازداد أكثر من يوم واحد فلا بد من مراجعة الطبيب المختص.