شركات التأمين تغطي شهريًا
من أربع قثاطر
وصولاً إلى 200…
القثطرة البولية
تطوّرت عبر التاريخ
وكان لثلاثة أطباء مسلمين فضلٌ كبير…

أدوات تُستخدم في القثطرة

يشيع استخدام القثطرة في الطب (قثطرة السبيل البولي، قثطرة الشرايين). بعضهم يكتبها صحيحة بالثاء (قثطرة)، وأكثرهم يكتبها خطأ (قسطرة) بالسين، لكنني لم أفكر مرة في منشئها، الى أن أرسل لي صديق مختص باللغة العربية مقالاً يتحدث عن القثطرة، تبين لاحقاً، للأسف، أن جلّه مغالطات، فرحت أبحث عن منشأ الكلمة، لكن هذا لم يكن سهلاً، اذ أخذ الكثير من الوقت، مني ومن زميل طبيب ساعدني كثيراً في البحث والتصحيح، وأثر عدم ذكر اسمه، فالشكر موصول له.

    د.غالب خلايلي

عندما نتحدث اليوم عن القثطرة البولية، فإن مفهومها واضح في أذهان كثيرين، وهي أنها أنبوبٌ لدِن يُدخل إلى المثانة عبر العضو التناسلي من أجل تسهيل مرور البول المحتبس. لكن يلفت النظر اسمُها، من أين أتى؟ وما النطق الصحيح له؟ ومن اخترعها؟

هذا ما سنجيب عليه في الأسطر التالية.

قـثـطرة أم قسطرة؟ ومتى اخترعت؟

يذكر بعض المراجع أن فكرة القثطرة وُجدت في الفترة الزمنية 3500 – 3000 قبل الميلاد، وأن تعبير Catheter  تأسّس لاحقاً عند قدماء الإغريقيين (قثطرة kathetr καθετήρ من الفعل اليونانkathiénai καθίεμαι) وتعني: أن تدع أو ترسل إلى الأسفل (To let or send down).

ويُقال إن الصينيين القدماء استخدموا سيقان البصل قثاطر، فيما استخدم الرومان والهنود الخشب والمعادن النفيسة، وصنع السوريون القدماء قثاطر من القصب.

وإذا راجعنا الكلمة في اللغات الأجنبية المعاصرة المشهورة، نجدها كما يلي: بالإنجليزية والفرنسيةCatheter ، وبالألمانية والهولنديةKatheter، وبالدانماركية والسويديةKateter ، وبالإسبانية والبرتغالية Cateter، وبالإيطالية Catetere.

إذاً، هي بالثاء أو بالتاء في كل اللغات الأجنبية المشهورة، والإبدال بين الثاء والتاء شائع جداً في اللغات، ما يؤكد أن اللفظ الصحيح للقثطرة هو بالثاء لا بالسين.

القثطرة الحديثة

وإذا بحثنا عن مادة (قثطر) في المعاجم العربية القديمة، فإننا لا نجدها. أما مادة (قسطر) فإنها موجودة بمعانٍ لا علاقة لها بهذه الأداة، إذ ورد أن القَسْطَرَ والقَسْطَرِيَّ والقَسْطارَ مُنْتَقِدُ الدراهم والدنانير ليميّز جيّدها من زيوفها، وغير ذلك مما لا يفيد المعنى المطلوب.

وعند العودة إلى المراجع الطبية العربية القديمة نجد أن ثلاثة من كبار الأطباء المسلمين الأقدمين استعملوا كلمة (قاثاطير) قبل نحو ألف سنة، وهم: أبو بكر الرازي المتوفّى 313 هـ في كتابه “الحاوي في الطب”، أبو القاسم الزهراوي المتوفّى 404 هـ في كتابه “التصريف لمن عجز عن التأليف”، ابن سينا المتوفّى 428 هـ في كتابه “القانون في الطب”. وهؤلاء من أكبر الأطبّاء على مرّ التاريخ، وانتقلت مؤلفاتهم إلى الغرب، وبقيت سائدة حتى القرن الثامن عشر.

وقد وصف الزهراوي أقسام القثطرة، ورسمها برسوم واضحة، ووصف كيفية إجرائها: أنبوب مخروطي الشكل مصنوع من العظام أو العاج أو المعدن (الفضة) يتصل بطرفه من الناحية الأخرى بكيس جلدي أو مثانة حيوانية، وبالضغط عليه يندفع السائل في الأنبوب إلى الأمام. وقد قال الزهراوي عن (قاثاطير): “تصنع من فضة، وتكون دقيقة ملساء مجوّفة، كأنبوب ريش الطير في دقة المِيل، طويلة في نحو شبر ونصف”. وقد أخذ الأوروبيون مبدأ القثطرة عن الزهراوي وقاموا بتطويرها، لتصل إلينا بشكلها المعروف.

من نتائج الانسداد البولي

في العصر الحديث، ذُكر أن العالم والمخترع الأميركي الشهير Benjamin Franklin ، هو أول من اخترع القثطرة المرنة في أميركا العام 1752 عندما عانى شقيقه جون من حصيّات في كليَتَيْه. كان على جون إدخال قثطرة معدنية متسخة وضخمة في مثانته. ومن أجل جعل العملية أقل إيلامًا وأكثر صحية، اتفق مع صائغ فضة يعرفه على تصميم قثطرة صغيرة رفيعة ومرنة، زوّدها بسلك معدني لتدعيمها أثناء دخولها إلى الإحليل فالمثانة. صنع هذا النموذج الجديد من الفضة، مع وجود ثقب على كل جانب من القثطرة لجعل إخراج البول أسهل، فضلاً عن تقليل امكانية تلف بطانة الإحليل أو الإصابة بعدوى التهاب المجاري البولية. ويقرّ فرانكلين بأن هناك من سبقه إلى اختراع القثطرة المرنة عام 1720 هو فرانسيسكو باردينو.

وفي العام 1929 ، قام جراح البولية الأميركي الدكتور Frederic Foley باختراع قثطرته الشهيرة Foley’s Catheter، المؤلفة من قناتَيْن مرنتَيْن من المطاط الطبيعي أو السيليكون، إحداهما مفتوحة، والأخرى تنتهي ببالون ينفخ بالماء بعد أن يصبح داخل المثانة لمنع القثطرة من الانزلاق.

وفي عام 1940، قام المخترع الأميركي من أصل روسي David S. Sheridan  (وكان اسمه: ديفيد سوكولوف) باختراع القثطرة بشكلها الحديث، وقد صنعها من البلاستيك المرن الذي يُستخدم مرة واحدة. كانت قثاطر مجرى البول تُصنع قبل ذلك من خيوط قطنية مضفورة تشبه أربطة الحذاء، تُغلف وتستخدم بشكل متكرّر، فقام شيريدان، الذي تلقّى تعليما بسيطا حتى الصف الثامن، ببناء آلة لصنع أنابيب القثطرة البلاستيكية وحيدة الاستخدام، واكتشف لاحقًا طريقة لإنتاج قثطرة بلاستيكية بنهايات أوسع، ووضع خطًّا من الطلاء المشعّ أسفل القثطرة تظهر على الأشعة السينية. وقد بدأ الاستثمار في مجال القثطرة في ثلاثينيات القرن الماضي حتى لقب العام 1980 بـ “ملك القثطرة”، إذ حصل على أكثر من 50 براءة اختراع كان من أهمها أنبوب التنبيب الرغامي ET tube، البلاستيكي وحيد الاستخدام، بعدما كان يصنع من المطاط الأحمر ويعاد غسله واستخدامه، وما يسببه ذلك من إنتانات خطرة.

في عام 1971 ، قدّم الدكتورJack Lapides  من جامعة ميتشيغان، تقنية القثطرة النظيفة المتقطعة. كان يُعتقد أن النجاح المستقبلي لطريقة القثطرة الخاصة به سيأتي من نظريته القائلة: إن الجراثيم ليست المصدر الوحيد للعدوى، بل إن البول الراكد في المثانة يمكن أن يسبّب التهابات المجاري البولية أيضاً، كما أن التمدّد المفرط للمثانة باستخدام القثطرة غير الصحيحة يمكن أن يؤدي أيضًا إلى مثل هذه العدوى. وعلى رغم تعرّضه لانتقادات واسعة من قبل أطباء المسالك البولية، إلا أنه أصر على فكرته، وفي النهاية أصبحت تقنيته رائدة لعلاج الأمراض المزمنة مثل احتباس البول أو المثانة العصبية، جنبًا إلى جنب مع قثطرة Frederic Foley.

وعلى رغم التقدّم التقني في الطب في أواخر القرن العشرين، والتطوّر الكبير في صنع القثطرة، إلا أن مرضى الولايات المتحدة عانوا من عدم توافرها بما يكفي، فحتى العقد الأول من القرن الحالي، كانت شركات التأمين ترفض تأمين أكثر من أربع قثاطر للفرد المحتاج شهرياً. كان هذا مزعجًا جداً للمرضى، ما اضطر ملايين الأشخاص لغسل القثاطر عشرات المرات، من أجل التوفير، ما زاد نسب التهاب المجاري البولية وما ينجم عنها. وأخيراً حلّت المشكلة، إذ قَبِلَ بعض الشركات أن يزيد عدد القثاطر المؤمَّنة من 4 إلى 200 قثطرة شهريًا، بعدما وجدت مواد أوفر في صنع القثاطر.