دراسة قيّمة
للاتّحاد المصري للتأمين
في النشرة 233:
ما دور الأجهزة الذكية
القابلة للارتداء
على قطاع التأمين؟

جهازا يد يجمعان كل ما هو مطلوب، بما فيها صحة القلب

التقنية التأمينية InsurTech  بدأت تواكب التقدّم العملي المتمثّل بالذكاء الاصطناعي والروبوتات وإنترنت الأشياء وأخيرًا وليس آخرًا الأجهزة القابلة للارتداء والتي تندرج في إطار أجهزة الاستشعار التي تقوم بجمع وتقديم المعلومات حول صاحبها. ونظراً الى أهمية هذه التقنية وتأثيرها على الأفراد وانعكاساتها الإيجابية على الحياة الإجتماعية والإقتصادية والتأمينية، فقد خصّص الإتحاد المصري للتأمين النشرة 233 للحديث عن دور هذه التقنية على قطاع التأمين، عبر أجهزة قابلة للإرتداء. ومن المعروف أنّ الفئة الرئيسة من هذه الأجهزة القابلة للارتداء المتاحة في السوق هي أجهزة تتبع اللياقة البدنية، ومنها الساعات الذكية التي تقيس المؤشرات المرتبطة بالنشاط البدني مثل عدد الخطوات ودقائق النشاط والمسافة والطبقات التي تمّ الصعود إليها، والسعرات الحرارية التي فُقدت. وثمة أجهزة أكثر تطوّرًا تراقب معدّل ضربات القلب وأنماط النوم.

والحقيقة أنّ كوفيد 19 هو الذي أعاد تسليط الضوء على الصحّة الشخصيّة والعقلية كأولويات قصوى، وربما أكثر من أي وقت مضى. وعلى رغم أن هذا الوباء لم يغيّر، على الأرجح، تطوّر الأجهزة القابلة للارتداء بشكل جذري، إلا أنه أدّى، بالتأكيد، إلى تسريع طلب الحلول الصحية الرقمية، وإلى زيادة قيمة هذه التقنيات. وتشير الإحصائيات العالمية إلى أن سوق الأجهزة القابلة للارتداء ينمو تدريجياً مع تزايد ملحوظ فى الطلب عليها، إذ بلغ حجم هذه السوق أكثر من 80 مليار دولار أميركي في العام 2021. وهذا طبيعي لأنّ نوعية وكميّة المعلومات التي توفّرها الأجهزة القابلة للارتداء ستغيّر طريقة إدارتنا حياتنا، إذ تقدّم العديد من الطرق لمراقبة الصحة. ومن هنا يمكن التطّرق إلى: كيف يمكن أن يؤثر استخدام الأجهزة القابلة للارتداء على قطاع التأمين؟

الإنسان بات يُشبه الربوت الآلي

تقول دراسة الإتحاد المصري للتأمين أن هناك فرصة كبيرة لشركات التأمين التي تتعاطى مع فرع الحياة، الى تغيير طريقة تفاعلها مع العملاء والتحوّل من التفاعل بعد حدوث الخطر إلى التفاعل الاستباقي وتحسين طريقة إدارة المخاطر باستخدام التكنولوجيا القابلة للارتداء. ونظراً الى أن هذه التقنيات الشائعة التي أصبحت أكثر ذكاءً وترابطاً مع السجلات الصحية للعملاء، فقد باتَت تمثّل قنوات ووسائل نمو فعّالة لشركات التأمين المهتمّة بتبنّي استراتيجيات صحية شاملة ودفع حاملي وثائق التأمين نحو حياة أطول وأكثر صحة.

الفضل في التقدّم التكنولوجي لكوفيد 19

ووفق نشرة الاتّحاد المصري للتأمين، سيكون لدى فريق التطوير في كل شركة، قدرة على تصميم منتجات بشكل أفضل بناءً على فهم المخاطر الفردية لكل مضمون على حدة. فبمساعدة الأجهزة القابلة للارتداء يمكن شركات التأمين أن:

                -تستفيد من البيانات الدائمة والمتجدّدة الناتجة عن استخدام المضمون أجهزة قابلة للارتداء، إذ يؤدي تحليل تلك البيانات، إلى إمداد الشركة بمعلومات حول سلوك التعرّض للمخاطر وأسلوب حياة الزبائن بما يمكّن شركة التأمين من تطوير منتجات مخصّصة لعرضها على مجموعة العملاء المناسبة.

                -ان تطوّر منتجات خاصّة مرتبطة بتعرّض العميل للمخاطر والأنشطة اليومية، أو أن تدعم تطوير منتجات مستقبلية وتسويقها. كما يمكن الأجهزة القابلة للارتداء أن تُدعم شركات التأمين بالمعلومات لتحديد قنوات التوزيع الأكثر مناسبة للعملاء.

آلات تُراقب وتُسجل بيانات وتكشف عورات

ما تجدر الإشارة إليه هو أنه كان يُطلب من العملاء عند الاكتتاب الخضوع لفحوص طبية ويتمّ تسجيل حالتهم الصحية بافتراض أن البيانات ستظلّ كما هي طوال مدة الوثيقة. ولكن الواقع أظهر أن تلك البيانات ستتغيّر، ويساعد استخدام الأجهزة القابلة للارتداء شركات التأمين في تحديد أقساط أكثر واقعية للزبائن. لذا ستُحدّد تلك الأقساط في المرحلة الأولى بناءً على الحالة الصحية للعميل وقت إصدار الوثيقة، ولكن الوضع سيتغيّر بناء على البيانات الجديدة، وبالتالي لا بدّ للأسعار أن تتغيّر، بعد تقييم العوامل المتعلّقة بالمخاطر الصحية المحدّدة بناءً على الأدلّة الواقعيّة والتي يمكن تحليلها بشكل دوري، وسيكون للتسعير ميزات مشابهة لتأمين السيارات المعتمد علي تقنيات المعلومات  telematics insurance، بناءً على النماذج الاكتوارية للمرحلة الأولى ومن ثم يمكن تقليل الأقساط أو زيادتها اعتباراً من المرحلة الثانية بناء على أداء العميل.

ففي عصر الأجهزة القابلة للارتداء ستُصبح المبادرة من قبل شركة التأمين وليس العميل، كما كان الوضع من قبل، حيث أن البيانات التي تمّ الحصول عليها وتحليلها من الأجهزة القابلة للارتداء ستجعل شركة التأمين متقدّمة بخطوة وقادرة على تتبُّع نمط حياة الشخص المؤمّن عليه والتصرّف وفقاً لذلك.

ومن سُبُل المساعدة التي يمكن أن تقدّمها الأجهزة القابلة للارتداء لشركات التأمين في خدمة العملاء:

  • تقديم إعفاءات إضافية عند الحاجة (على سبيل المثال تأمين السفر للرعاية الصحية عندما يكون العميل بالخارج).
  • توجيه تحذيرات للمؤمّن عليه عندما يقوم الجهاز بإبلاغ شركة التأمين بتدهور الحالة الصحية للمؤمن عليه.
  • توفير أجهزة مخصّصة لكبار السن الذين يحتاجون إلى مراقبة خاصة ويمكنهم استخدام بيانات المستشعر للمساعدة في رعاية ما بعد الجراحة أو حالات في أثناء إعادة التأهيل.

وبهذا الصدد أجرت شركة “هانوفر ري” تجربة في جنوب إفريقيا باستخدام تقنية VeoSens ، فوجدت أن ما يقرب من 90 ٪ من العملاء يتمتّعون بمستوى عال من صحة القلب، بينما حصل أكثر من 75% من فئة العملاء الذين يعانون سوء صحة القلب على قرار اكتتاب بالتحميل أو التأجيل أو الرفض.

ومن هنا وبناء على ما سبق ذكره، يصبح استخدام الأجهزة القابلة للارتداء جزءاً من رحلة الاكتتاب، اذ يُمكن عبرها من معرفة درجة صحة القلب، وتالياً تسريع عملية تقديم طلبات العملاء من خلال جعل عملية الاكتتاب إلكترونية وأكثر سهولة وسرعة.

                ويبقى السؤال الأساس والمهمّ: ما الفائدة التي تعود على شركات التأمين من استخدام الأجهزة القابلة للارتداء مع عملائهم؟

                وفي الواقع، هناك عدة فوائد، سنكتفي بثلاث:

                1-تسريح عمليّة الاكتتاب. مع وجود البيانات الصادرة عن الأجهزة القابلة للارتداء، وبموافقة العميل على حصول شركة التأمين على تلك البيانات والاستفادة منها، يمكن شركات التأمين في وقت قصير، تقديم الطلب واستخدام نهج التصنيف لتحديد ما إذا كانت البيانات تشير إلى نمط حياة صحي أم لا. ويمكن العملاء ذوي المعدلات الجيّدة، وفقاً للبيانات المستمدة من استخدام العميل للأجهزة القابلة للارتداء، الوصول سريعاَ إلى أفضل فئات المخاطر. كما سيتمكّن العملاء الأصحاء الذين لا يرغبون في التعامل مع عملية الاكتتاب الكاملة الطويلة، من الوصول إلى التأمين على الحياة ببساطة من خلال توفير بياناتهم من الأجهزة القابلة للارتداء. في حين أن أولئك الذين يتمتعون بسمات أقلّ تفضيلاً، قد يحتاجون إلى وقت إضافي في الاكتتاب. ويقلّل هذا الأسلوب من وقت إصدار الوثيقة والذي قد يستغرق أياماً، إلى ساعات معدودة.

                2-توفّر الأجهزة القابلة للارتداء توفّر وسيلة لشركات التأمين للتواصل باستمرار مع العملاء وتكوين علاقة أكثر فعاليّة. ولعلّ أحد أهمّ المنافع هو تحسين النتائج الصحية اذ يُمكنها من مساعدة عملائها على اتخاذ خيارات أفضل مثل تقديم برامج قائمة على تحسين الصحة واللياقة البدنية، ما يحفّز العملاء على اتخاذ خيارات نمط حياة صحي من خلال الفوز بمكافآت أو نقاط يمكن استبدالها بجوائز أو قسائم أو حتى أقساط مخفّضة. ويمكن أن تساعد الرسائل الشخصية الموجودة على الجهاز القابل للارتداء تنبيه العميل وشركة التأمين إذا كانت هناك علامات سلبية محتملة. ومع استخدام العملاء الأجهزة القابلة للارتداء، يمكن شركات التأمين أن تلعب دوراً محورياً في تحفيز ودفع حاملي وثائق التأمين في الاتجاه الصحيح لزيادة وعيهم وتشجيعهم على اتباع  أنماط حياة صحية.

                3-يمكن الأجهزة القابلة للارتداء أن تُحدث فرقاً في توسيع نطاق التأمين من خلال تحسين العروض المقدّمة من شركات التأمين للأفراد الذين لولا تلك الأجهزة، لكان من الممكن أن يتمّ رفضهم وذلك من خلال مواءمة المخاطر بشكل أفضل مع أقساط التأمين. فعلى سبيل المثال، نجد أن الأشخاص الذين يعانون السمنة المفرطة قد يتأهلون في أحسن الأحوال لفئة منخفضة عند تصنيف المخاطر المتعلقة بهم. ومن هنا يمكن الأجهزة القابلة للارتداء تحديد أولئك الذين يتبعون أنماط حياة أكثر صحة أو أولئك الذين يحقّقون تغييرات إيجابية لتحسين صحتهم من خلال إجراء تغييرات صغيرة ولكن مستمرّة وفعالة، مّا قد يؤثر إيجاباً في حصولهم على التأمين وعلى تحديد أسعار البوليصة حيث أن الأجهزة القابلة للارتداء تشكَّل تحفيزاً للعملاء وتحوّل التغييرات الصغيرة إلى عادات جديدة من شأنها السيطرة على المرض وتحسين نتائج العملاء الطبية.

        وكما هو الحال مع كل الأشياء الجديدة، فإن إدخال الأجهزة القابلة للارتداء في التأمين، خصوصاً في فرعَيْ الإستشفاء والحياة، لا يخلو من بعض التحديات ومنها:

           الخصوصية، إذ هناك تخوفات تتعلّق باستخدام البيانات بشكل ضد مصلحة العملاء، لذا يجب التحقّق لأيّ غرض سوف تُستخدم تلك البيانات، وموافقة العملاء على ذلك، كما هناك مشكلة تتعلّق بتحديد ملكية البيانات، فهناك عدم وضوح حول من هو المالك الحقيقي لتلك البيانات: هل هي شركة التأمين أم المشغّل (شركة وسيطة في حالة التعهيد الخارجي outsourcing) أم العميل ذاته؟ وهنا لا بدّ من لفت الإنتباه الى أنه على شركات التأمين أن تحصل على برامج لحماية خصوصية بيانات العملاء الناتجة من استخدام الأجهزة القابلة للارتداء، بما في ذلك المعلومات التي يتمّ الحصول عليها وتخزينها ومشاركتها داخلياً وكيفية استخدام البيانات. وبالتأكيد يجب على شركات التأمين الحصول على الموافقة والتفويض من عملائها قبل الوصول إلى معلوماتهم الشخصية.

في نهاية الدراسة، أعطى الاتّحاد المصري للتأمين رأيه في موضوع استخدام الأجهزة القابلة للارتداء فقال:

– في عصر تنمو فيه البيانات بمعدل متسارع، تواجه صناعة التأمين، كغيرها من الصناعات، تغيرًا غير مسبوق. وتعدّ مصادر البيانات الجديدة، مثل الأجهزة القابلة للارتداء، أحد الأمثلة على كيفية تغيير التكنولوجيا لبعض مجالات النشاط التأميني التقليدي.

ويعدّ توفير البيانات الصحية الشخصية عن العملاء فرصة كبيرة أمام شركات التأمين، فكلما زادت المعلومات التي يمكن الشركات جمعها عن العميل، زادت قدرتها على تصميم وثائق تتناسب مع حالة كل  واحد منهم. وتساعد البيانات التي يتمّ جمعها من الأجهزة القابلة للارتداء في جعل قطاع التأمين، وهو صناعة تفاعلية أصلاً ، أكثر نشاطًا واستباقية، ما يمكّن شركات التأمين من العمل كأداة لتحسين الصحة، بالإضافة إلى دورها الأساس كأداة لتغطية الأفراد عندما تسوء الأمور.

فللتأمين الاستباقي القدرة ليس على جعل بعض أشكال التأمين أكثر سهولة فقط، بل هو يساعد الأفراد على تحسين صحتهم وتحمّل تكاليف طبية أقل بشكل عام.

إن وثائق التأمين التي تكافئ المستهلكين على السلوكيات الصحية التي تمّ توثيقها بواسطة الأجهزة القابلة للارتداء، يمكن أن تفيد المجتمع بشكل عام إذا أدّتْ إلى تقليل حالات الاستشفاء وحوادث أمراض القلب والأوعية الدموية التي يمكن الوقاية منها.

ويوصي الاتحاد بدراسة إمكانية استفادة السوق المصري من تلك التقنية و الفرص والتحديات التي تترتّب عليها.