الإتحاد المصري في نشرته الـ 266:
التأمين الزراعي من الأولويات
لتجنّب أزمة الأمن الغذائي وأفضل الطرق
اعتماد “تأمين المؤشر”…

عدم كفاية المحاصيل توصل إلى فقدان الأمن الغذائي

انتشار كوفيد-19 على مدار العامين الماضيين وما أحدثه من اضطراب لكلّ من صغار وكبار  المزارعين على حد سواء، أدّى إلى ارتفاع متواصل في أسعار المواد الغذائية بحيث بلغ أعلى مستوياته في العام 2022، ما ترتّب على هذا الإرتفاع، زيادة في معدلات الجوع والفقر على المستوى العالمي.  وتُعدّ النزاعات أحد الأسباب الرئيسة لارتفاع تلك المعدلات، ومنها الحرب الأوكرانية-الروسية التي تسبّبت بوقوع العديد من الخسائر رغم تدّفق المساعدات الإنسانية. ذلك أن الكثير من الدول النامية تعتمد اعتماداً كبيراً على واردات المواد الغذائية مثل الحبوب والزيوت المُقدّمة لهم في شكل معونات من الخارج. كما أدّى الارتفاع الهائل في الأسعار، الذي امتد تأثيره إلى الأسمدة أيضاً، إلى جعل المواد الغذائية الأساسية بعيدة من متناول الملايين. فهل للتأمين الزراعي دور في تحسين الآثار المترتبة على أزمة الأمن الغذائي؟

هذا هو السؤال الذي تجيب عنه النشرة 266 الأسبوعية من الإتحاد المصري للتأمين.

بداية، عرّفت النشرة انعدام الأمن الغذائي بالعودة الى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وما تقوله في هذا الصدد. فوفق التعريف المعتمد من قبلها، فإن الشخص الذي لا يتمكّن من الحصول بانتظام على ما يكفيه من الغذاء المأمون والمغذّي اللازم للنموّ والتطور الطبيعي و الحياة بنشاط وصحة، هو المعني بهذا التعريف، جرّاء عدم توافر الغذاء أو نقص الموارد للحصول عليه. ومن المعروف أن نقص التغذية المسبّب للجوع، يؤدي الى إحساس جسدي غير مريح أو مؤلم بسبب عدم كفاية استهلاك الطاقة الغذائية. وقد يُصاب بنقص تغذية حاد عندما لا يستهلك الشخص كمية كافية من السعرات الحرارية (الطاقة الغذائية) بشكل منتظم ليعيش حياة طبيعية ونشطة وصحية. وتُشير تقارير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، أن هناك نحواً من 828 مليون شخص ينامون كل ليلة وهم يشعرون بالجوع. وفي هذه التقارير أيضاً، أن عدد الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي قد ارتفع منذ العام 2019، من 135 إلى 345 مليون شخص، وان  حوالي 50 مليون شخص في 45 دولة، يتأرجحون على حافة المجاعة. وبخلاف السبب الرئيسي لتلك الأزمة، وهو اختلال العلاقة بين العرض والطلب من المواد الغذائية، بالإضافة لزيادة عدد السكان بنسبة أعلى من نسبة زيادة الموارد المتاحة، فقد نتجت أزمة الغذاء العالمية عن تزامن أربعة عوامل أخرى:

الجوع في صورة

-الحروب والنزاعات التي لا تزال تُشكّل المسبّب الأكبر والرئيس للمجاعات، بدليل أم حوالي 60 % من الأشخاص الذين يعانون الجوع حول العالم يعيشون في مناطق تشهد الحروب والعنف، وأوكرانيا أفضل مثال.

التقلبات المناخية التي تدّمر المحاصيل وسبل عيش المزارعين، وتزهق الأرواح وتعيق قدرة الأشخاص على توفير أساسيات الطعام لأنفسهم وأسرهم.

– كوفيد – 19 الذي أدّت تبعاته الإقتصادية إلى ارتفاع معدلات الجوع إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة انقطاع بعض الأشخاص خاصة الذين يعملون باليومية عن العمل والذي بدوره أدى إلى عدم قدرتهم على شراء المواد الأساسية اللازمة للطعام.

-ارتفاع أسعار الغذاء الذي بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق، اذ ازدادت 44% عام 2019. وهذه الزيادة الطارئة كانت تكفي سابقاً لإطعام 4 ملايين شخص لمدة شهر.

وتطرح النشرة السؤال الأهم الذي تجيب عنه: كيف يمكن التأمين الزراعي تحسين أزمة الأمن الغذائي؟ عن هذا السؤال تجيب:

-ان التقلبات المناخية تُسبّبت ولا تزال في خسائر فادحة للمزارعين كل عام، فضلاً عن أسهامها في زيادة معدلات الفقر في المجتمع الريفي. ولا يستطيع صغار المزارعين إدارة هذه المخاطر بأنفسهم، ولا الى  الوصول إلى الأدوات المالية الكافية لإدارة تلك الأخطار، لعدم القدرة وغياب الإمكانيات المالية. هنا يأتي دور التأمين القادر على تقديم حلول تأمينية للمزاعين والمساهمة في حماية الأمن الغذائي. ذلك أن التأمين يُعدّ من أكثر أدوات إدارة المخاطر أهمية، حيث يمكنه حماية المزارعين من خلال تغطية الخسائر الناجمة عن التقلبات المناخية، ما يساعد هؤلاء في الحفاظ على مستوى دخلهم ومواصلة أعمالهم الزراعية حتى في حالة فَقْد المحصول ما يحميهم من انقطاع الأعمال أو التعرّض للفقر والذي قد يؤدي إلى عدم قدرتهم على شراء الطعام وفقدانهم الأمن الغذائي.

الغيوم في السماء مؤشر لهطول الأمطار

كما يمكن التأمين الزراعي، أن يساهم في زيادة فرص المزارعين في الوصول إلى أسواق الائتمان، والذي يمكن أن يوفّر التمويل اللازم لإنتاج الغذاء والذي بدوره قد يكون حافزاً للنمو الاقتصادي وذلك عن طريق تمكين المزارعين من شراء معدات جديدة، وأسمدة أو بذور عالية الجودة، وبالتالي ستزداد إنتاجيتهم. كذلك يمكن التأمين أيضاً، تغيير سلوك العملاء عن طريق خفض الإحساس بعدم اليقين والقلق اللذين يؤديان لخوف المزارعين من الاستثمار وفقدان ما أنفقوه بسبب حدوث تقلبات مناخية دون وجود تعويض. فعلى سبيل المثال، قد يقوم المزارع بزرع 3 أو 4 أنواع مختلفة من المحاصيل للحماية من مخاطر العوامل الجوية أو الأمراض التي قد تصيب محصوله بالكامل. أما في حالة التأمين فيمكن للمزارعين التركيز على زراعة محصول واحد فقط دون قلق والاستفادة من وفورات الحجم. وبشكل عام، فإن صغار المزارعين والمزارِع الصغيرة والمتوسطة القادرين على إدارة مخاطرهم بشكل أفضل، هم أكثر قدرة على المساهمة في الأمن الغذائي القومي.

وتذهب النشرة الى الأرقام وتقول:

-على الصعيد العالمي ، نَمَتْ أقساط التأمين الزراعي بشكل كبير خلال العقد الماضي، اذ ارتفعت من 7 مليار دولار أميركي في العام 2005 إلى 23.5 مليار دولار في العام 2011. وتقدر قيمة السوق العالمي لمنتجات التأمين على المحاصيل الزراعية عام 2022 بمبلغ 34 مليار دولار. كذلك سجّلت زيادة في عدد الشباب الذين يميلون إلى استكمال دراساتهم حتى التعليم في هذا الحقل.

لكن مع ذلك، لا يزال معدل تغلغل التأمين الزراعي منخفض في الأسواق النامية خاصة في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

أساليب بدائية في حراثة الأرض

وتتطرق النشرة الى الفرق بين التأمين الزراعي التقليدي والتأمين الزراعي القائم على مؤشر، بالقول:

-يُعوّض التأمين الزراعي التقليدي المؤمّن عليه مقابل الخسارة أو الضرر الفعلي المتكبّد. ومع ذلك، فإن التأمين الزراعي التقليدي يُعد مرتفع الأقساط ومُكلف بالنسبة لمعظم المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة، وبالتالي فهو غير موجود في معظم المناطق الريفية. ويرجع ارتفاع الأقساط ذلك، إلى زيادة التكاليف الإدارية المرتبطة بتقييم المخاطر، وبيع المنتجات، وتسوية المطالبات. لكن على مدى العقد الماضي، تمّ تطوير المزيد من منتجات التأمين القائمة على المؤشرات. اذ تستخدم هذه المنتجات مؤشراً معيناً، مثل نزول الأمطار أو درجة الحرارة أو إنتاجية المحاصيل في المنطقة أو مؤشرات موضوعية أخرى لتسوية المطالبات. لذلك ليست هناك حاجة لمعاينة الخسارة. فغالباً ما يتم بيع تلك المنتجات على أساس جماعي.

فعلى سبيل المثال: إذا تجاوز المطر كمّاً معيّناً قد تمّ قياسه في محطة أرصاد جوية أو بواسطة القمر الصناعي، فإن جميع المزارعين في منطقة معينة يتلقون تعويضات من شركة التأمين، علماً أن التكاليف الأولية لذلك النوع من التأمين، غالباً ما تكون مرتفعة، ولكن نظراً لأن تكلفة تسوية المطالبات أقلّ بكثير من التأمين الزراعي التقليدي، فمن المحتمل أن يكون المنتج أقلّ سعراً بدرجة كبيرة ويمكن تسوية المطالبات ودفع التعويض بشكل أسرع. وقد ساعد انخفاض التكاليف الإدارية في دعم النمو السريع لسوق التأمين القائم على المؤشر خلال العقد الماضي. ومع ذلك، لا تزال تلك المنتجات في معظم الدول في مراحل تجريبية. ذلك أن هذا النوع من التأمين قد يواجه تحديّاً اذ قد يُسدد مبلغ التعويض الخسارة الفعلية التي تعرّض لها حامل الوثيقة. وهذا يعني أن التأمين قد لا يعوضه حتى لو تعرّض المزارع لخسارة (على سبيل المثال إذا كانت كمية الأمطار في المزرعة مختلفة عن كمية الأمطار التي رصدتها محطة الطقس). من هنا أهمية الرقابة على التأمين الزراعي القائم على المؤشر، لحماية حملة الوثائق ولتمكين المزارعين ودعم وتطوير السوق للأسباب التالية:

زيادة ورفع الثقة في منتجات التأمين، اذ يُعد التأمين منتجاً غير ملموس، وبالتالي فإن الثقة في النظام ضرورية لبناء ثقة العميل وتشجيعه على شراء منتجات التأمين.

الحماية من الممارسات التجارية غير العادلة، اذ قد تكون المرة الأولى للعديد من المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة في شراء منتج تأميني، وبما أنهم أقلّ قدرة من الناحية المالية بشكل عام، وبالتالي فهم يحتاجون أكثر إلى الحماية من الممارسات التجارية غير العادلة.

تحدّد الجهات الرقابية من يمكنه (أو من لا يمكنه) دخول السوق والعمل فيه. لذلك إذا لم تشعر الجهات الرقابية بالقدرة على فهم وحماية حَمَلة الوثائق بشكل كافٍ، فقد لا يسمحون بإدخال منتجات تأمين جديدة قائمة على المؤشر في الوقت الحالي.

عملٌ مضنٍ في الزراعة… الا يستأهل تغطية تأمينية تُعوّضه أية خسائر؟

يمكن الجهات الرقابية فَرْض شرط إلزامي لأنواع معينة من التأمين. هذا لا يساعد فقط في ضمان توفير شبكة أمان لحَمَلة الوثائق ولكنه أيضًا أداة مفيدة لتثقيف العملاء حول قيمة المنتج من خلال تجربته المباشرة.

أخيراً، ماذا عن رأي الإتحاد المصري لشركات التأمين، في ما سبق ذكره؟ تقول النشرة:

-يٌعد قطاع الزراعة في مصر أحد الركائز الأساسية للاقتصاد القومي، نظرًا لكونه يتعلق بالأمن الغذائي والأمن القومي لمصر،  وكذلك مساهمته في توفير الغذاء للمواطنين وتوفير المواد الخام اللازمة للصناعات الوطنية، بالإضافة إلى مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي والصادرات السلعية والقوى العاملة، كما أنه آلية مهمة في توطين التنمية المتوازنة، الى ذلك أولَتْ الدولة قطاع الزراعة أهمية خاصة، وتمثّل ذلك في التأكيد المستمر على الدور الحيوي الذي يلعبه القطاع في الاقتصاد القومي، وكذلك تبنّي مشروعات التوسع الأفقي والرأسي بما ساهم في زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية الاستراتيجية وغيرها تحقيقاً للأمن الغذائي.    ويساهم قطاع الزراعة المصرية بـ15% في الناتج المحلي الإجمالي، و17% من الصادرات السلعية بقيمة 3 مليارات دولار، “بخلاف التصنيع الزراعى”، و9.7 مليون فدان المساحة الزراعية، و17.5 مليون فدان المساحة المحصولية.

وعلى رغم أن التأمين وحده لا يمكن أن يوفّر الأمن الغذائي، إلا أنه يمكن أن يلعب دورًا كبيرًا في زيادة الوعي بأهمية تخفيف المخاطر وتشجيع الاستثمار في مجال زيادة الكفاءة الزراعية، ولذلك يحرص الاتحاد المصري للتأمين دائماً على دعم القطاع الزراعي وسوق التأمين المصري، ومن أجل ذلك قام بتأسيس اللجنة العامة للتأمينات الزراعية بالاتحاد في العام 2019 التي انضم لها عدد كبير من ممثلي شركات التأمين لمناقشة مستجدات السوق ودراسة التغطيات العالمية وتطبيقها على السوق المصري، بالإضافة إلى محاولات اللجنة للتواصل مع السادة المسؤولين بالدولة للحصول على دعمهم في منتجات التأمين الزراعي.