خاطرة في بداية العام 2023:
رشّة عطر بين الألم والأمل!

من دون تعليق

   بقلم د. غالب خلايلي.

مع أنني أكون وحيداً أحياناً في عيادتي، وليس حولي عملٌ حقيقي، إلا أنني كثيراً ما أجد نفسي مشغولاً دون متنفّسٍ ساعاتٍ طويلةً  بـ (لا شيء). وأصدقكم القول: إنني لستُ ممن يغرقون في أحلام اليقظة، ولا أشكو اضطراباتٍ عصبيةً، ومع ذلك أنشغل في ذلك (اللا شيء: أعمال ورقيّة وسِواها لا يمشي بدونها شيء)، فأحمد الله على انشغالي، إذ إنني إذا فرغتُ من (الفراغ) أجدُ نفسي وحيداً من جديد، لأبدأ التأمل والتفكّر بالـ (شيء).

ففي عقد مضى، حدث ما لا يصدّقه عقلٌ من تبدّلاتٍ حطَمت آمال كثيرين، وأطاحت بخططهم للعمل والاستقرار، وبأحلامهم للتقاعد والراحة، إن لم تطحْ بأعزّاء عليهم أو بهم. فمع زلازل الأوطان، تبعثرت عائلاتٌ على غير هدى في كل الأرجاء، وأصاب الفقر مَن أصاب، وجعل كثيرين عالةً على المجتمعات، تحمّلتْهم بعضُها (ضيوفاً) وكرّمَتهم، وعذبَتهم أخرى (لاجئين) وأهانتهم، فيما الديار تنوح على أهلها الذين غادروها، ربما بلا أمل بالعودة.

أتطلّع حولي في مطلع عقدي السابع، فأكاد لا أجدُ أي صديق أو رفيق ممّن عرفتُهم طويلاً (عدا من غادر الدنيا مأسوفاً على فراقه)، كما لا أجدُ حتى الأقربين، فكل هؤلاء ذهبوا بعيداً، ولم تبقَ منهم سوى الذكريات: هنا ولُدِنْا وعِشنا، وهنا أفطرنا وتغدّينا وتعشّينا، وهنا درسنا وتناقشنا وفكّرنا ونِمنا، وهنا مشَينا وتنزّهنا وتأمّلنا، وهنا كبرت آمالُنا وأحلامنا، بعضها تحقّق بيُسر أو بعُسر، فيما تكسّرَتِ الباقيات على صخور الزمن العاتية، أو بصخور (الإنسان) الأعتى.

الانتظار المضني

أمثال هذه الأفكار لا أقول إنها تزورني في ليلٍ مُسهد، بل تعيش معي، وأتنفّسها مع الهواء الداخل إلى رئتيّ، لتنبضَ بعدئذ في قلبي، وتضخَّ إلى شراييني، فتشعر بها كل خلية من جسدي. وكم يتضخّم ذلك الإحساس في المناسبات التي لا بد أن تتجلّى فيها الوحدة والفراغ، فتبرز أشواك الغربة الحادة، لا سيما إن خُدشت قشرة (السيلوفان) المجتمعية الهشّة، أو طيّرتها حتى نسمة.

وقد يحدث ذلك (المرض) حتى بلا مناسبة، عند الرؤية المتكررة لكواكب الفرسان الشبّان طيوراً مهاجرة من بلاد لم تستوعب أحلامهم، حتى البسيطة منها (العمل، عش الزوجية، تعليم الأولاد)، فإذا بهم يطيرون إلى عوالم بعيدة تستقبل شبابهم وحيويتهم وشهاداتهم، وترحّب بأطفالهم، جيل المستقبل، كي يكونوا عصب الاقتصاد في بلاد كاد يعقم أهلها.

وتهاجمني تلك الأفكار أيضاً وأنا أرى أبيض شعرٍ منحني الظهر خارجاً بكيس دواء تساعده زوجته الضعيفة على المشي (أو تقوده بكرسيّ)، أو آخر أشعثَ طالت لحيتُه يمشي الهوينى بلا اكتراثٍ، يدخّن تبغاً رخيصاً ويسعل بلا هوادة، أو عندما أتأمل زملاء تجاوزوا الستين والسبعين، وعندما آن لهم أن يرتاحوا في ملاعب طفولتهم، وجدوها لا تناسب آمالَهم أو قوّتهم على التحمّل بعدما ألِفوا الحياة الأسهل ولو بتكاليف عالية، فوجدوا أنفسهم مجبرين على تمديد الغربة من أجل إتمام رحلة العمر، أو النجاة بمن لم يشبّ من الأولاد عن الطوق، أو (العودة / الهجرة) إلى بلاد باردة، ما آمنوا بها من قبل، لكنها تؤمّن بعض الدفء الإنساني الضروري لمن لم يجد له مكاناً دافئاً في وطنه المُثخن بالجراح.

عندها تصبح الذكريات هي السلوى الوحيدة لمن كان يحلم بالعودة، إذ لا يوجد في ضمير المرء، مهما يكن النعيم حولَه، ما يعدلُ الوطن.

أعترفُ لكم أيها الأعزاء، مع كل برودة الحياة، وصخبها المؤذي، أنني امرؤ عامرٌ بالدفء الإنساني، ومخلص لأحبّتي وأصدقائي وأصحاب القيم النبيلة إلى أبعد الحدود. يعرف ذلك الصنف النادر الذي أتعامل معه، ويؤلمني الذين لا يقيمون قيمةً للمشاعر، أو ليس لديهم وقت للتفكير بها، إذ خذلت بعضهم الدنيا فتآخوا والكآبة، أو أخذتهم الحياة إلى مجاهلَ لن يكتشفوا خطرَها إلا بعد فوات الأوان. ولهؤلاء (الذين أخذتهم الحياة) أن يتذكّروا أنه ليس المهمّ من يسلّم عليهم وهم في القمّة، بل من سوف يردّ على سلامهم وهم ينزلون أو يتقاعدون، أما إخوة الكآبة فلا نملك لهم سوى أطيب الأمنيّات.

من الاسفلت الخانق… فسحة أمل تخرج إلى الضوء

إن في حياة الإنسان أشياء لا تعوّض، حتى لو نال المرء مجد الدنيا، فكيف إذا خرج منها صفر اليدين؟ ومن تلك الأشياء ضياع الحياة العائلية (عمل، سفر، حقد،..)، وتتجلى قيمة هذا الأمر كلما تقدم العمر بالإنسان، إذ تصبح العائلة والأصدقاء المخلصون أثمنَ ما في الحياة، دون أن ننسى كثيرين أُحسِن إليهم في سالف الأيام.

وفي هذا السياق، مع قُرب بعضهم من القلب، وبُعد آخرين عنه، أتساءل: ما هو الحب؟

إنه ذلك الشعور الحميم الذي نشعرُ به تجاه شخص ما، فيجعلنا نتواصل معه بفرح، ويتواصل معنا بفرح أيضاً، فكما يحبّ ذلك منّا نحبّه منه. إن الحبّ كالإيمان، شعورٌ داخلي عميقٌ يرتاح له القلب، ولا مجال للخطأ فيه إن سلِمتِ الفطرة. ألا يفسّر ذلك لك لماذا يعرف شخصٌ كل أخبارك (عدا من يتربّص بك)، بينما يجهل آخر عنك (بكل اللامبالاة أو العنجهية أحياناً) كل شيء؟

وفي سياق حديث الحب، أؤكد أنني أحبّ عائلتي وأصدقائي الخلّص.

من عائلتي الكبيرة، وأصدقائي الكبار، رحل أعزّاء إلى جوار ربهم، وأرجو لهم المغفرة والرحمة، وبقي أعزاءُ يؤنسوننا بودّهم وحبّهم وأصالتهم وصدقهم وخبرتهم ورائحة الأبوين فيهم، وأرجو لهم الصحة والعافيةَ وطولَ العمر.

زجاجة العطر بقيت في بالي…

وخذوا هذه القصة من دلائل الحب. ففي زيارةٍ إلى عزيزة عليّ، فاجأتني بزجاجة عطر كنتُ قدّمتها ذات يوم بعيد. المعنى لا يخطئه لبيب، وبقي في بالي حتى اليوم الذي رحتُ – بالحبّ ذاته – أحتفظ به بعطورٍ قدّمها أولادي، وأشياء كانوا يستخدمونها قبل سفرهم، تذكّرني بهم كل صبح ومساء.

الحب يقرّب البعيد بالتأكيد، والبغض يبعّد القريب.

قد تقطع مسافراً – بالبر أو بالبحر- العالم كله، لكنك لا تدخل إلى قلب مبغِضٍ مُقفَل، مثلما لا يدخل هو إلى قلبك. أما، بالحب، ورأسك على وسادتك في أي مكان، فإنك تفتح الطرق المغلقة بجبال الثلج والجليد.

هل شمَمتَ الآن أيّها الحبيبُ رائحةَ عطرِك؟

العين في 11 كانون الثاني 2023