عامٌ على القلب المفتوح:
الإنسان يجب أن يضحك
من هموم الحياة…

د. خلايلي مع استاذه د. ابراهيم حقّي

المرض تجربة إنسانية صعبة، واختبار، يعاني الإنسان فيه مشاعرَ خاصة، أبثّها لكم بكل الحب.

أهدي مقالي هذا إلى كل الطيبين، وبشكل خاص إلى أستاذي الحبيب الدكتور إبراهيم حقي في دمشق الفيحاء، راجياً له الشفاء العاجل وكل الحب والتقدير.

د. غالب خلايلي

مرّ عامٌ على جراحة القلب المفتوح التي أجراها لي الدكتور غوبال، وإنني أذكره بالخير كثيراً، هو وفريقه في كليفلاند أبو ظبي، وكل الزملاء الذين أوصلوني إليه. وأنا – بحمد الله – اليوم أفضل بكثير، وأريدُ أن أسجّل بعض انطباعاتي عن التجربة.

كان الألم الصدري المحرَّض بالجهد والشدائد (وما أكثرها) قبل أشهر من التشخيص، علامة إنذار سيئ قرأتُها بعناية، فبدأ القلق يتنامى، وإن لم تُبدِ الفحوص (عدا اختبار الجهد الذي لم يُجْرَ) أي مشكلة.

قررتُ والأعراض تلحّ، المضيّ في التشخيص قبل حدوث شدّة صاخبة لا تُحمد عُقباها، فتبدّت لي الإنسانية العالية عند كل الزملاء الذين قابلتهم في مراكز لها سمعتها، وإن أخبرني زميل ظريف “أنني زبون دسم بما ستكلّفه العملية”، فكيف لا أكونُ محور الاهتمام؟

والحقيقة أن الزملاء أعطوني وقتهم وخلاصة تجاربهم، بل إن بعضهم تبرّع، إن خيب التأمينُ الأملَ، أن يجري العملية إسعافياً على عاتقه، فيما عرض بعضُهم دفع الأجرة كاملة، وكل هؤلاء غمروني بلطفهم، وأوصلوني إلى أن العلاج المحافظ غير مجدٍ، ولا بد من جراحة كبرى عند الدكتور غوبال، الخبير الرزين الذي أعطاني (وأنا أضرب أخماساً بأسداس) راحة كبرى بقبول عرضه: الجراحة على قلب نابض.

في الأوقات الحرجة، ويا للمصادفات الموجعة أو المضحكة أحياناً، تحرّكت حصاة كلوية صامتةً دهراً قبل موعد الجراحة بأيام، وكذلك حدث نزفٌ هضمي بسيط، ليتعقّدَ المشهدُ، مع تناولي مميّعات الدم التي لا غنى عنها، لكن ليزيد القناعة أن الجراحة هي الأفضل. وزاد في التعقيد الخوفُ من أن ألتقط مرضاً طارئاً (لاسيما كوفيد) قبل يوم الجراحة ( 24 آب  2021)، عندما مرض بعض أولادي. لكن، والحمد لله، مرّت الأمور كلّها بسلام، فهجعت الأعراض، ووافق التأمين (الذي تروّى كثيراً)، ونجوتُ من العدوى بالعزل الصارم. أما المضحك فهو أنني عندما كنت أراجع المستشفى، بمثل نشاطي المعهود، سألني زملاء مشكّكين: أحقاً سوف تذهب بقدميك إلى الجراحة؟

قلت: ومن يعرفني أكثر مني؟ لأختم قولي: نعم، بإذن الواحد الأحد.

ويبقى هناك ما هو طريف، فعندما قادني ابني الأصغر سامي إلى مستشفى كنغز كولدج في دبي، في عز (وجع كوفيد وتحاليل PCR) يوم 28 تموز 2021، وأخبرني زميلي بضرورة أخذ كل الحيطة، وضرورة تناول المميّع على الفور، ألحّ ولدي ونحن عائدون على زيارة محل برغر قيل له (إنه لا يُعلى عليه) لينطبق علينا المثل: “العصفور يتفلّى والصياد يتقلّى”، وكان عليّ الرضوخ لهذه الرغبة الجامحة، فتضيع ساعة في زحمة دبي، إلا أن ذلك أفضلُ من أن نضيّع طريق العودة.

وعندما جدّ الجدّ، تنادى أفراد عائلتي المغتربون كي يقفوا أمام أبيهم. أتى لؤي وعروسه أولاً من كندا، لأنهما لا يحتاجان إلى سِمتَيْ دخول. وصلا قبل الجراحة بأسبوعين على أمل أن تُجرى في وقت قريب. أما ابنتي ريم فقد حضرت وابنتاها متأخراتٍ عن العملية يومين، لأن سِمات الدخول تأخرت بعض الوقت. وهكذا التمّ شملُ أفراد العائلة في المنزل الذي نشؤوا فيه وأحبوه، فحمدنا الله كثيراً.

واليوم، بعد مرور عام، أعلم كم كان صعباً على أولادي الحضور، بسبب مشقّة السفر، وصعوبة ترك العمل، فضلاً عن حجم التكاليف، لكنه نداء الواجب، لأقول لهم من صميم قلبي: بارك الله بكم، ورَزَقَكُم خير الذرية الصالحة.

وقُبيل العمل الجراحي، كنتُ قد أنهيتُ كل التزاماتي الضرورية ، فرحلتي صعبة، وكل احتمال وارد (بما فيها اللا عودة)، تقبلتُها بقلب المؤمن، فكان نجاح العملية فضلاً من الله لا أنساه. وبالطبع لا أنسى وقوف عدد كبير من المحبين قربي قُبيل العملية وبعدها، وأذكر منهم: علامة دمشق الأستاذ الدكتور إبراهيم حقي (الذي أرجو له اليوم الشفاء العاجل وكل أمنية طيبة)، وولده الدكتور منقذ (من الشام)، وكذا خالي الأكبر أبو عماد، وعمتي أم إياد، وخالتي أم محمود (من حلب)، وصديقي فضلو هدايا (من بيروت)، وعدد كبير من الطيبين والطيبات، الذين تكرّم معظمهم بعد العملية (حاضراً أو من بلاد بعيدة) بهدايا رائعة أجملها الورد، مؤكداً أن شذاهم الإنساني هو ما عطّر حياتي.

لا بدّ هنا من الإشارة إلى رسالة خاطئة سمعتُها من بعض زواري، فقالوا: إذا كان زميلنا (أي أنا) المشهور بأنه لا يدخّن ولا، ولا، ويعيش حياة صحية (حسب رؤيتهم) قد أصيب بما أصيب، فلماذا لا نأخذ راحتنا بالتدخين والطعام وغير ذلك؟ الحق أن هذه رسالة خاطئة، يجب أن لا يتلقّفَها أحد، فلكل إنسانٍ ظروفه، وشدائده، وعواملُه الوراثية.

ولن أعيد هنا ما سبق أن كتبته عن تجربتي في المستشفى الذي يتمتع بأعلى درجات المهنية، ولكني أشير إلى أنهم نصحوني عند الخروج بتجنّب كل ما يمكن أن يزعجني، ولو من أقرب المقرّبين، وقد وجدتُ أن هذه النصيحة في محلّها تماماً، لأنني بالفعل بدأتُ أعاني ألماً بطنياً مزعجاً كلّما أثر بي حديث أو تصرّف أو نقاش (عُزي إلى أن للعمل الجراحي الكبير شدة قد تدوم أشهراً)، بعضها أمكن وقفه، وبعضها لم يمكن، خاصة بعد أن عدتُ إلى عملي، حيث لا يقدّر بعض الناس ظروفَ طبيبهم في الأوقات الحسّاسة. أما لماذا لم أعد أستسيغ القهوة بعد العملية، ولثلاثة أشهر تالية، فربما للسبب ذاته.

أختم حديثي بقول زميلٍ عزيز أخبرني مشجعاً: “تنام وتفيق فتجد كلّ شيء قد انتهى، وتعود “وكالة”. والحقيقة أنني لم أكن أعاني قبل العملية إلا ما وصفتُ ومرّ بصمت، ولهذا استغربَ كلّ من عرف بأمري لاحقاً. أما الذي تغيّر فهو احتمالي للشدة والجهد، وهذا أمرٌ رائع. يبقى أن شدائد الحياة التي تؤثر في شراييننا هي هي، وأن للعمر حقه، ولا بد من اتباع نظام غذائي دوائي حركي نفسي للحفاظ على الشرايين كلها، ما كتب الله لها الصحة والعافية.

اليوم، أيها الأحباء، أنا في الثانية والستين، نشيطٌ ومتفائل ومحبٌّ لعملي (الذي تزداد مصاعبُه، لكنها تهون كرمى لشغفي وعيون مرضاي الطيبين). كذلك محبّ للأصدقاء المخلصين الذين أرجو لهم جميعاً كل صحّة وعافية، وألاّ يمرّوا بتجارب قاسية. حقاً إن الحياة مليئةٌ بالشدائد والتحدّيات العامة والمهنية التي تضغط الأعصاب بلا هوادة، لكن على الإنسان أن يستوعبها ويضحك من همومها، ومن أكثر من طبيب خدم مرضاه بأمانة (أرجو أنني لا أبالغ) وكاتب يكتب بمهجة قلبه قدرةً على السخرية من المتاعب؟ ومن أكثر من إنسان له هذا العدد من المحبين الذين لم يقصّروا في إزاحة الهمّ عن قلبه قدرةً على المواجهة والصبر؟

دمتم بخير.

العين من 24-31 آب 2022