عندما يُصبح العطر منفّراً
بفضل “الجنرال”
كوفيد التاسع عشر!

افتقاد الشمّ والتذوّق من العلامات المؤكدة للإصابة

عندما يمرض الطبيب يتحوّل مرضه حَدَثاً، ليس لأن المرض ممنوع عليه وانما لأن مِنْعَتَهُ يجب ألاّ تُخرق، مع أنه أكثر احتكاكاً بالفيروسات والميكروبات بحكم عَمَلٍ الزاميّ يتطلب منه استخدام كلّ ما يملك من وسائل متاحة لإنقاذ مريضه…

د. غالب خلايلي، طبيب الأطفال المعروف والأديب صاحب القلم الرشيق والكاتب في هذه المجلة وفي دوريات عربية أخرى، قد يكون المثل الصارخ الذي يُحتذى. لقد كان عرضة لتجربة مؤلمة من “الجنرال” كوفيد التاسع عشر الذي طرحه في الفراش، ومع ذلك لم يتمكّن منه، اذ بعد أسبوعَيْن ألحَقَ د. غالب الهزيمة بهذا “الجنرال” الأرعن الذي زاره، على ما يَذكُر، عام 2013 ولم يفلح فعاود الكرّة هذا العام، وانهزم مرة ثانية.

فإلى هذه الخاطرة الجميلة والمعبرّة والتي صاغها الطبيب الأديب بأسلوب تميّز دائماً بما يخرج عن المألوف…

د. غالب خلايلي

بعد إفطار التاسع من رمضان (العاشر من نيسان 2022)، شعرتُ بتعبٍ مفاجئ، فرحتُ أستريح قبل أن يحلّ موعدُ الذهاب إلى العمل. ومعلوم لديكم أن أمزجةَ الناس (تكاد) تتبدل جذرياً في الشهر الفضيل، بسبب التَجفاف والنَعس، ونقص السكر والكافيين والنيكوتين، ولهذا تنزاح المواقيت ساعات، وهيهات أن يستيقظ أحد مبكراً هيهات، سنّةُ سار الناس عليها منذ عقود، وليتها بالنفع عليهم تعود!

        وأصدقكم القول: إنه لم يكن لديّ ما يعكّر المزاج، سوى معاملة معقّدة قبل عشرة أيام، لكنها حُلَّت بقدرة قادر، فما وجدت سوى حساء غريب موضعاً للإتهام، صَنَعته زوجتي بوصفةٍ من صديقة تقيم في ما وراء البحار، هي وطائفةٌ ضخمة من بنات جِلدتها وبنيها، تركوا البلاد بعدما ضاقت بالعباد.

لكن الأمَر لم يكن أمَر حساء أيضاً كما اعتقدتُ، اذْ في الصباح التالي، أفقُتُ متعباً، لكنني تحاملت على نفسي، وذهبت لإنجاز معاملة ( أصحّح فيها خطأ معاملة قدّمتُها قبل شهرين)! كان الخطأ إلكترونياً بامتياز، ولم يستطع أحد أن يَفتيَ فيه، فكيف يحلّه من لا “ناقة الكترونية” له ولا جمل؟  كان الجو شديد البرودة (التكييفية)، وكذا عواطف العاملات الصائمات، فأصابني كربٌ، دبّ فيه المرض إلى جسدي في الظهيرة، من تعب وبرد وقشعريرة، ونقص همّة شديد بعد الإفطار، ما كان ليتحسّن دون حبتَيْ باراسيتامول، وآه ما أجمله الباراسيتامول، عندما تُدّق العظام والعضلات دقّا،  وتنهار مقاومة كل الخلايا، ويصبح الألم سيد كل المواقف!

الحرارة المرتفعة تهدّ المصاب هدّاً

في اليوم التالي وجدتُ نقطةً صغيرة من مفرزات غامقة في الحنجرة، ولكن دون أيّ ألم. لم أشجّع نفسي على تناول المضاد الحيوي، وليتني فعلت، فما إن جُنّ الليل حتى جُنّت معه الأعراض، لأعاني الألم المبرّح والبرودة والأهلاس، ولأبقى في فراشي في اليوم التالي، لا أستطيع حراكاً أو نوماً الاّ بالمسكّنات.

صباح الجمعة الخامس عشر من نيسان، قضيتُ صباحاً من أسوأ الصباحات في حياتي، على رغم مرور يومين على العلاج: ألم ممزّق في البلعوم، كأن سكاكين أو خناجر تقطّعه. كنت عندما أتجرّع كأس الليمون، كأنني أكوي حلقي بمكواة، ولولا المسكنات لما استطعت حتى النهوض. بقيت يومَيْن آخريْن على هذه الحالة التي لم تتحسّن الا بعد حبّة دواء فعلت بي فعل السحر، اذْ زال معظم الألم من الحلق.

ها قد تخلّصتُ أخيراً من المسكنات، لكن التطوّر الأبرز في اليوم الخامس من العالج هو النقص الواضح في حاستَيْ الشم والتذوق، مع انحرافهما، وما أدراك ما النقص وما الإنحراف: نفور حتى من أجمل العطور، ومن القهوة بالهيل الزاكي، وصعوبة في تمييز رائحة الصابون والشامبو، وعدم استساغة لكثير من أنواع الطعام.

أي مرض هذا؟ وكيف أتى؟ فمع التعب الشديد الملازم لي، والذي هدّني هدّاً، ومع إصابة باقي أفراد العائلة بالمرض عينه، رغم كل الحرص على الوقاية، رحُت أفكر: هل هو كوفيد التاسع عشر؟

كانت النتائج كلّها سلبية، ومع ذلك لم أستبعد المرض. أما من أين أتى، فالله أعلم، ولو أنني لستُ بمنأى عن العدوى، بصفتي طبيبا يفحص المحمومين كل يوم. لكن خطر على بالي خاطر مهم، وهو أن المرض  دخل هذه المرة عن طريق ملتحمة العين، إذ سبق أعراض المرض احمرار كلا العينَيْن ليومين.

ها قد مر أسبوعان على المرض، وأنا لا أزال قيد العلاج لوجود بقايا مرضية، ولكنني عدتُ بالذاكرة تسع سنين الى الوراء، عندما وجدت مقالاً كتبته يوم السادس من أيلول (سبتمبر) 2013 بعنوان: ليلة رأيت نجوم الظهر (نشر في مجلة “طبيبك” عام 2013).  كان الوصف ذاته تقريباً،  عدا ما يخصّ الشم والتذوّق، وتذكّرتُ أننا عشنا في ذلك الوقت خوفاً مماثلاً من انتشار مرض مُعدٍ مخيف، خَلَتْ معه العيادات من الناس، اذ اختبؤوا في بيوتهم، وفضلّ القادرون منهم أن يزورهم الطبيب بدلاً من أن يزوروه! أتدرون ما اسم المرض؟ إنه الحَمة التاجية عينُها (كورونا) والتخويف ذاته، الذي -على ما يبدو-  لم يؤتِ أَكْلَهُ وقتها، ولم يُستحدث كما يجب، فنام سنين، حتى العام 2020( وبالمناسبة: حمة كورونا قديمة قِدَمِ تاريخنا(.

مساء ذات يوم بعد مرور أسبوعَيْن، تناولت فنجان القهوة فعاد الشم والتذوق الى سابق عهدهما،  فعرفُت كم الإنسان صحيح الجسم والعقل والنفس في نعيم، وكم للحواس من قيمة تنعم علينا وتحمينا ( تخيّل مثلاً أنك لا تسمع صوت سيارة تفاجئك في الطريق، أو أنك لا تشمّ رائحة حريق قريب).

وآه يا أحبائي من المرض، ومن صنّاع المرض، وصناعة المرض المكلفة بل المضنية للبشر )مستشفيات، أدوية، تأمين…)، وطوبى لكلّ طبيب مخلص، ولكلّ صاحب فكر يخدم البشرية، والشكر موصول لمخترعي المسكّنات، فلوالها ( ولا أنصح بأخذها إلا عند الضرورة) لأصبح المرض جحيماً لا يطاق.

هامش: لا أدري، رغم كل وسائط التواصل، ماذا حلّ بالمعاملة التي حدثتكم عنها في البدء!

(العين في 26 نيسان 2022)