أوضاعنا الإجتماعية المتردية
تنعكس سلباً
على نفسية الأطفال…
القلق والإكتئاب
والإضطراب الوسواسي
تنتقل من الوالدَيْن الى أبنائهم… فحذارِ!

الطفل قلق والخائف يبحث عن حضنٍ آمن

الأوضاع المتردية في لبنان والمخاوف من غدٍ مع طرح سؤال “إلى أين”، باتت تقضّ مضاجع الأهل الذين يعتقدون، على الأرجح، أن نوبات القلق والوساوس التي تنتابهم محصورة فيهم فقط وعلى هذا الأساس يتصرّفون، مع أنّ الواقع هو غير ذلك تمامًا، إذ تكشف الدّراسات أنّ تداعيات الأوضاع تصيب أيضًا الصّغار نقلاً عن ذويهم. فماذا عن هذه الحالة وكيف يعالجها علماء النّفس؟ هذا ما تنقله الينا الزميلة السيدة باسكال هبر بجاني في الأسطر التالية..

باسكال هبر بجاني

    أنتما كأم وأب قد لا تتوقعان من تصرفات طفلكما أكثر من ثورة عاطفية صاخبة بين حين وآخر، أو نوبة خجل محرجة، أو خوف من الظلام أو البرق أو الرعد.

    لكن هل يخطر ببالكما، خصوصاً في ظروف كالتي نعيش، ولبنان ليس وحده في هذا المجال، بل هناك دول عربية وأجنبية عدّة تعاني ما يعانيه الصغار عندنا، أن أطفالكما يُمكن أن يُصابوا (من الناحية السلوكية) بمشاكل قلق تشلّ حركتهم، أو بحالة من الإكتئاب الكامل الأبعاد، أو بعادات انفعالية؟

    من سوء الطالع أن أكثر الآباء والأمهات يضربون صَفْحاً عن هذه المشاكل السلوكية، وأكثر أطباء الأطفال لا ينتبهون الى العلامات المُنذرة بهذا السلوك… ولإيضاح الصّورة لما ينبغي أن يفهمه كلّ أب وأمّ حول ثلاث من أكثر المشاكل العقلية شيوعاً بين الأطفال، لا بدّ من قراءة التّالي…

1-القلق. الأطفال جميعاً يقلقون أحياناً. والحقيقة هي أن شيئاً منه أمر طبيعي في مواقف معيّنة: كانفصال الطفل عن أحد والديه، تكيّفه مع وضع جديد عليه، تعامله مع أشخاص جدد في حياته، وما شاب ذلك. وشائع أيضاً أن يخاف الطفل من بعض الحيوانات، ومن الأعاصير والأصوات الأخرى المشابهة لها. فكيف تستطيع الأم أو الأب أن يميّزا الخوف الطبيعي من الخوف غير الطبيعي؟

والجواب: تيقّظي على الدوام لمخاوف الطفل التي تحول بينه بصورة جدية، وبين مزاولته أعماله وهواياته اليومية المعتادة، أو تمنعه من القدرة على التعاطي مع الأوضاع الإجتماعية، أو تحدّ من بهجته في التعامل مع أصدقائه. تنبهّي لقلقه أو شعوره بالكرب، اذا استمرا لديه أربعة أسابيع أو فوق ذلك، فهما قد تشيران أيضاً الى وجود مشكلة.

وفي حين أن القلق عاطفة تطاول الناحية الذهنية بشكل رئيس، الا أنه يُمكن أن يُربك الذهن ويؤثر في الجسد، ومثل هذا الإرباك يتجلّى بصورة منعكسات وضغوط مبالغ فيها بحيث تؤدي الى نوبات صداع أو آلام معدة أو أوجاع أخرى.

والطفل القلق يكون عظيم الإنكشاف أمام ردود فعل تجاه ضغوط، ولو وقعت عليه من مصادر غير مباشرة، كأحداث تصيب أشخاصاً آخرين، أو كوارث يشاهدها على شاشة التلفزيون.

فماذا تلزمُكِ معرفته؟

أولاً، إن قلقكِ أنت يُمكن أن ينتقل إلى أطفالك. ويُستفاد من دراسات أجريت مؤخراً أن الوالدين، بدون قصد منهما، قد يعملان على زيادة مخاوف أطفالهما. فالوالدان المصابان بآفة القلق يكثران من القول لطفلهما “خُذْ حذرك” أو “لا تتسلّق إلى أعلى من ذلك”. وعلى نقيض حال الوالدَيْن غير القلقَيْن، فهما يشجعان طفلهما على تعزيز قدمَيْه والحثّ على سرعتهما أو صعودهما نحو الأعلى.

ثانياً، قلق الطفولة يُنذر بقلق الشباب. لقد تبيّن بعد دراسة أحوال الراشدين، ان جميع الأشخاص ومنهم من يعانون حالياً مشكلة قلق، من المحتمل في أكثر حالاتهم أن هذه المشكلة قد بدأت لديهم في الطفولة.

ثالثاً، طريقة تفسير الصغير لتجاربه، قد تُعمّق المشكلة. ففي إحدى الدراسات التي أجراها عدد من العلماء على الآثار النفسية التي تخلّفها الزلازل وما شابهها من كوارث، تبيّن أن الكيفية التي يُفسّر بها الطفل أحد الأحداث، يكون لها ارتباط بحال ظهور أعراض قلق لديه.

فالزلزال، مثلاً، اذ فسّره أحد الأطفال على أنه خَلَل كبير لنظام دراسته، من حيث أنه قد أرغمه على الإنقطاع من مدرسته بضعة أيام، كان هذا التفسير السلبي واحداً من بواعث قلق الطفل.

أما الطفل الإيجابي التفكير، فإن تفسيره لحادث الزلزال يكون على النحو التالي: “لقد كان إجازة لي من عناء الدراسة استمرت بضعة أيام”.

أي أن الأمر هو عبارة عن طريقة النظر الكلاسيكية الى نصف الكوب الفارغ، ونصف الكوب الملآن.

إنّ هذا النوع من الإضطراب النفسي (OCD)، هو في اعتقاد الخبراء أبعد ما يكون عن الندرة، فهو يُصيب طفلاً واحداً من مائَتَيْ طفل، بل أن منهم من يرى أن هذا الهاجس المرضي قد ترتفع نسبته بين الأطفال الى 3 بالمئة.

ويُستفاد من دراسة أجرتها جمعيته اضطراب القلق الأميركية، أن ثلث الكبار المصابين بهذا الوسواس، قد ظهرت عندهم أول أعراضه منذ سن طفولتهم.

اكتئاب وتوحّد

2- الإضطراب الوسواسي القسري (Obsessive-Compulsive Disorder)، ويظهر على الشخص المصاب به، بشكل أفكار هاجسية متكّررة الحدوث لا تقوم على أساس مخاوف أو أسباب قلق واقعية، وانما هي وساوس لا عقلانية تخامر الشخص باستمرار، فتسبّب له كثيرا من القلق والكروب.

على سبيل المثال، قد يصبح الطفل “المهووس” خائفاً على الدوام من الوقوع فريسة المرض بسبب الجراثيم. وقلق كهذا قد يزداد شدّة بحيث يصبح الطفل خائفاً من ملامسة مماسك الأبواب، مثلاً، لئلا ينتقل المرض اليه. وهذا الخوف المرضي من الجراثيم يُمكن أن يخلق لدى الطفل حالة من القلق الذي يذهب بكل قوته، ويولد لديه عادات هَوَسيَّة تحمله على ملازمة الخنفية لغسل يديه بالماء والصابون كل ساعة.

ومن الأفكار الهَوَسية المماثلة، هزّ الباب مرات ومرات بعد إغلاقه، بقصد التأكد من أنه مغلق فعلاً، أو العودة مرة إثر مرة للتفتيش على مصابيح المنزل: هل هي منيرة أم مطفأة.

فماذا تلزمك معرفته؟

أولاً، ان هذه الحالة الهَوَسية تعبر الآن اضطراباً جينياً وراثياً، أي أنها لا يُمكن أن تكون سارية بين أفراد الأسرة الواحدة. ويعود سببها الى خَلَل وظيفي دماغي، لا الى عنف في التربية، كالقسوة في المعاملة والإكثار من إصدار الأوامر والنواهي.

ثانياً، عند بعض الأطفال يُمكن أن تكون هذه الحالة ناجمة عن إصابة بمكورة عنقودية، العدوى بها تحرّض الجملة المناعية بالجسم على انتاج الجسيمات الأضداد لمنازلة الجراثيم. ومن سوء الطالع أن هذه الجسيمات لدى عدد قليل من الصغار، تأخذ في مهاجمة العقد القاعدية بالدماغ (Basal Ganglia)، مسببة هذا الهَوَس.

ثالثاً: بالإمكان تغيير هذا السلوك. ان الإضطراب الوسواسي القسري حسّن التجاوب مع المعالجة السلوكية، التي تعمل على المساعدة في تغيير الوظيفة الدماغية، وذلك عن طريق تدريب الصغير على اتباع عادات تخلف عادة الإفراط في تنظيف الأيدي خوفاً من الجراثيم.

الخوف من هيجان الطبيعة

3- الإكتئاب: ان الطفولة، في نظر الشخص الراشد، تبدو فترة خالية من الهموم، ومن الصعب تصوّر وجود طفل مكتئب. لكن الحقيقة هي أن حوالي 5 بالمئة من الأطفال، يعانون الإكتئاب. بل أن الطفل الرضيع يُمكن أن يكتئب. وأطفال مكتئبون في هذا العمر، تكون كآبتهم في كثير من الأحيان بسبب إحجام الأم عن الإستجابة لمطالبه.

مرة أخرى عليك مراقبة سلوك طفلك: هل طرأ تبدّل في نظام أكله ونومه؟ هل ازدادت سرعة هياجه أو كثرت خصوماته واحتداده في المناقشة؟ هل يُبدي ردود فعل جامحة؟ هل انقطع عن آداء أعمال كان يؤديها في السابق؟ هذه الأعراض قد يكون أي واحد منها أول علامة على إصابة الطفل بالإكتئاب.

شجّعيه ولا تُخيفيه!

فماذا تلزمك معرفته؟

أولاً، هنالك أمراض معينة قد تؤهّب الطفل للإكتئاب. ففي إحدى دراسات جامعة كولومبيا الأميركية، قام عدد من علماء النفس بتتبّع أحوال أكثر من 700 طفل من نيويورك فتبيّن لهم أن بعض حالات من الأمراض الجسمانية كانت سبباً في تزايد احتمالات الإصابة المستقبلية بالإكتئاب، وبخاصة اذا كانت تلك الأمراض متعلقة بالجملة المناعية بالجسم. وقد أوضح العلماء النفسانيون بأنهم لا يعرفون سبب ذلك بعد، ولكن الأمراض التي تطاول الجملة المناعية مثل الربو وأمراض الحساسية، تكون على ما يبدو، من سوابق إصابة الأطفال بالإكتئاب. وكلما بكّر الإكتئاب عند الطفل، ازداد احتمال شدّته بعد ذلك.

نظرة سوداويّة إلى الحياة

ثانياً، من المحتمل أن يكون متعلقاً بطريقة طفلك في مواجهة أموره. وهذه الطريقة في التعامل قابلة للتغيير . ففي كثير من الأحيان تكون طبيعة اعتقاد الشخص بشأن أحداث معينة، لا الأحداث نفسها، هي التي تسبّب الإكتئاب.

ولهذا يبني الأطباء المعالجون، طرق معالجتهم للأطفال المكتئبين، على أساس تعليمهم كيف يقوّمون اعتقاداتهم السلبية ويتخذون وجهة نظر أكثر تفاؤلية وواقعية، بشأن ما يمرّ بهم من أحداث ويمرون به من تجارب. اذ أن التفسير التفاؤلي متى كان دقيقاً، فإنه يعلم الطفل على البحث عن حلول لمشاكله، والتعامل مع عواطفه.

رعب من الحيوانات