تولا: قريتي مصغّر لقرى لبنان…

منظر عام لقرية تولا

الصحافي المخضرم الغني عن التعريف الأستاذ غسان صقر، الذي كانت له بصمات عدة في السياسة، خصوصاً أيام عهد الرئيس الأسبق المرحوم سليمان فرنجية (1970-1976)، في الإعلام قبل هذه الفترة وفي أثنائها وبعدها، في التأليف وكتابة المقالات والأبحاث، وكذلك في النشر، لا يزال يعشق رائحة الحبر، ولا يترك مناسبة من دون التعليق عليها بأسلوبه الأدبي الرشيق والسهل الممتنع في آن، مستعيناً بكريمته آنا ريتا صقر لكتابة ما يمليه عليها بسبب ضعف النظر الذي لا بدّ أن يُدرك كل من كانت القراءة والكتابة رفيقتَيْ دربه…

    في هذا المقال الأدبي الذي جمع فيه التاريخ والسياسة والإقتصاد والإجتماع، استخدم الزميل غسان صقر ريشة غنية “ليرسم” بحبر ملوّن قريته البترونية التي وُلد وسكن فيها ولا يزال يحنّ الى ترابها وبيوتها ومناخها وناسها الذين كانوا 700 شخص فأصبحوا اليوم، بفعل الهجرة، سبعين!

    بقلم: غسان صقر

في زمن ميلاد العام 2022، أبكيكِ يا تولا، أبكيكِ لأنك كنت تعجّين بالبجاجنة والزعنيّين، لأنك كنت في ما مضى تعيشين حياة الحركة والإنبعاث والتنافس والتضارب حتى بالسكاكين، أيام كانت تعُدّ القرية بما يزيد على السبعمائة نسمة، وقد أصبحت اليوم تعدّ على أبعد حدّ سبعين.

    أين شبابُك، اين صباياك، أين أبناء الجيل الذين انقطعت أخبارهم، أين جرس الكنيسة الذي كان يُقرع بخبر عرسٍ أو عمادة طفل؟ في حين اليوم يُقرع ليخبر بوفاة عجوز تركوه أولاده وهاجروا طلباً للرزق، إما في إحدى الدول العربية أو في الأميركيَتَيْن.

    أين أنت اليوم من أيام كان حيّ الزعنييّن يُقطع على مفصل من مفاصل الطريق الرئيس من قبل أبناء بجّة الذين وَفَدوا الى القرية واحتلوا الحيّز الأكبر وطغوا على مفاصلها ومنعوا الزعنيّين من الولوج الى أحيائها.

    أين نحن اليوم أبناء الجيل الجديد الذين اندمجنا وبتنا في معشر لا بل في عشيرة واحدة بعد التزاوج والمصاهرة.

غسان صقر يُملي المقال على كريمَتِه

    إنها لمفاخرة جوفاء أفرغت القرية من جوهرها ومن دوافع حماستها. نقول، توحّدت القرية، وها نحن انتهينا الى انحلال، لا بل إلى تناثر أوراق العائلات في كل منحى من مناحي العالم، كما بعد هجرة 1914. هجرة كانت قد سبقتها المجاعة الكبرى وتسبّبت بموت أغلبية سُكان القرية، ممّا أدى إلى تساقط مبانيها التي لم تكن تعرف لا الإسمنت ولا القرميد، والتي كانت تُحدل سقوفها منعاً لتسرّب المياه.

    وما ان انقشعت غيوم الحرب وجاء خبر انتصار الحلفاء حتى هلّل اللبنانيون وعادوا الى زهوة الإنتصار واستأنفوا حركة العمران حتى ازدهرت القرية من جديد وبدأت تُطلّ بمبانيها الحجرية والقرميدية وعادت اليها رائحة التنّور والصاج، ونزعة التنافس، فمن ناحية لحّام بجّاني يذبح يوم الأحد في حيّ البجاجنة وآخر زعنّي يذبح في حيّ الزعنّيين.

   وعادت العصبية الى مجاريها وكأن الزمن عاد بنا الى الوراء، الى ما قبل 1914. فترة التنافس والعصبيات المذمومة أصلاً والمفيدة. وأخذ الناس يعودون إلى أصولهم وجذورهم وكلّ منهم يسعى الى ترميم منزله وتجديده. وأطلّت القرية بمحاسنها ومباهجها واستمرت حتى وصلنا الى العام 2022، زمن التضاؤل والضمور، وقد هجرها أهلها وحلّ السوريون في كل قرنة فيها يمتطون دراجاتهم النارية جيئة وذهاباً، فيما تجوب نِساؤهن حقولها بحثاً في “اللزقات” عن الصعتر والقُريسة والهندباء وسواها من الأعشاب المفيدة.

وهكذا باتت القرية تذكّر بمظهر العام 1914 مع فارق وحيد، حيث يحلّ اليوم السوري الباحث عن ارتزاق جديد، محل المهاجر اللبناني الهارب من الضائقة.

إيهِ لبنان الذي اخترتُ قريتي نموذجاً يسري على جميع قراه.