عودوا إلى القرية نواة العائلة
ومصدر النمو ومبعث الأمل!

بهاء القرية لا يوازيه بهاء…

بقلم غسان صقر

العائلة افرنقعت، والدولة تشقْلَبَتْ، والوطن في مهبّ الريح!

علم الإجتماع يقول أنّ أركان المجتمع ثلاثة، هي: العائلة والدولة والوطن. أي أن الركن الأول للمجتمع هو العائلة المتماسكة المتضامنة بأخلاقها ومناقبيّتها وسيرورتها الزمنية عبر التاريخ المنظور والمغمور. والدولة هي الجهاز الإداري في علم الإجتماع التي تدير الشؤون. والوطن هو الحدود الطبيعية لجغرافيته ومصادر طاقته البحرية والبرية والجوية.

    أين نحن في لبنان من كلّ هذا؟

    سبق وقلنا أنّ كلّ ذلك تغيّر وانحلّ وبات ذكرى أليمة تحزّ في نفوس اللبنانيين الذين تجاوزت أعمارهم الستين عاماً. أما الباقون فقد هجروا الوطن وباتوا يرقبون من بعيد ما يُعاني من مأسٍ إقتصادية ومجاعة مذلّة وطلب الإستشفاء على أبواب المستشفيات التي تضيق عن الإستيعاب والتي تحتاج الى الأدوية العلاجية والأدوات الطبية.

    الدول المُحسِنَة أغدقت المساعدات على لبنان وتذكّرت أن له من الأفضال العلمية والفكرية والثقافية وأن له مغتربين منذ ما بعد هجرة 1914 يُغذون مؤسسات علمية وجامعية وطبية الخ. هذه المؤسسات باتت ملك أوطانها وهؤلاء المغتربون باتوا مواطنين صادقين مؤمنين بأوطانهم الجديدة وبات معظمهم بعزلة عن وطنهم الأم.

    نعم نحن اللبنانيون إذا ما استوطنّا موطناً أخلصنا له في المواطنة وبتنا جزءاً منه لا يتجزأ. هذا ما نلمسه نحن اليوم وتلمسه باقي الأوطان التي حلّ فيها اللبنانيون.

الخيار الأوسترالي

    أهل الجيه (في الجنوب) نزحوا الى استراليا أبان حرب 1976 وأخصّ بالذكر مثلاً: أفراد من عائلة القزي الذين استصلحوا وحسّنوا زراعة الخيار حيث كانت مقاسة الواحدة تتجاوز مقاس قثاءة طويلة فحولوها الى إصبع “بوبو يا خيار” ونالوا مكافآت مالية ومساعدات على هذا الإنجاز عزّزت مواطنتهم، فذاع صيتهم في مجال زراعة الخضار المنزلية.

    كذلك في كندا، أبدع المهاجرون اللبنانيون في استحداث المطاعم الحافلة بالمأكولات اللبنانية وأجادوا وأصبحت لهم الشهرة والصيت الذائع.

    كذلك في فرنسا وسواها من الدول الأوروبية في الأميركيَتَيْن وحتى في القارة الإفريقية، أجاد اللبنانيون في الصناعة والإعمار والتجارة وَجَنوا الأموال.

* * *

    أكتب هذه الخاطرة التي تؤلمني وأبكي مستقبل لبنان وأخشى عليه من التحلّل ما لم يُسارع أبناؤه النازحون حديثاً الى معاودة أمعان النظر في ما هم تركوه عليه.

… والخيار اللبناني

    أبكيك يا لبنان المستقبل، أبكي على أركانك الثلاثة: العائلة، الدولة، الوطن.

    أين الهيئات الإجتماعية لتعيد العائلة الى مرتبتها في المجتمع فتُشجّع على الزواج والإنجاب؟ أين المؤسسات التي لم تُعِد الى القرية دورها؟ ألم تأخذ العبرة من المدينة التي ما ان بدأت الأزمة الإقتصادية حتى سارع أهلها الى الهجرة، بحثاً عن الإرتزاق المؤقت ونسيان الماضي العريق الذي بدأ في القرية وانتهى الى المدينة؟

الأطباق اللبنانية غزت العالم

    القرية في لبنان هي نواة العائلة ومصدر النموّ ومبعث الأمل. ألم يقل المثل “هنيئاً لمن له مرقد عنزة في جبل لبنان”؟ فلنَعدْ الى القرية مصدر نشوئنا وازدهارنا ومبعث أملنا ونهوضنا مجدّداً عبر التمسّك بالقيم الأخلاقية والإجتماعية والتعاونية. فلنتذكّر أن معظم بيوت القرى في لبنان بُنيت عبر “العونة” أي يوم تعاوني تُقرّه الضيعة عندما يريد أحد أبنائها الزواج ولا يدفع بارة القرش.

أيها الشباب والشابات… عودوا إلى الوطن

    فلنتمسك بالقيم التي تنازلنا عنها طمعاً بالدولار والربح الرخيض ونتغط من بعض الدول التي تمنح حديثاً مبالغ من المال لتشجيع الشباب للعودة الى القرى والأرياف مثل البرتغال وايطاليا وجنوب استراليا…

    هذا النداء حبذا لو تستجيب له الجمعيات وما أكثرها في لبنان!